
ترك برس
في وقت تتصاعد فيه الدعوات لإعادة تشكيل النظام الدولي، جددت تركيا مطالبتها بإصلاح مجلس الأمن الدولي وإنهاء هيمنة الدول الخمس الدائمة العضوية على قراراته، في ظل انتقادات متزايدة لاستخدام حق النقض "الفيتو" في تعطيل التحرك الدولي حيال عدد من الحروب والأزمات.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إصلاح مجلس الأمن وإلغاء آلية الفيتو، مطالبا بنظام يمنح أعضاء الأمم المتحدة دورا أوسع في اتخاذ القرارات، ومشددا مجددا على مبدأ أن "العالم أكبر من خمسة". كما انتقد خضوع إرادة أكثر من 190 دولة لقرارات خمس دول فقط.
وتنسجم هذه الدعوة مع موقف تركي ممتد يطالب بإعادة هيكلة مجلس الأمن ليصبح أكثر تمثيلا لموازين القوى والتوزيع الجغرافي في العالم المعاصر، بدلا من استمرار بنية تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وترى أنقرة أن إصلاح المنظمة الدولية لا يقتصر على توسيع التمثيل، بل يتطلب أيضا إعادة النظر في الامتيازات التي يمنحها الفيتو للدول الخمس الدائمة العضوية.
وتأتي المطالب التركية ضمن نقاش دولي أوسع بشأن قدرة الأمم المتحدة على الاستمرار بوصفها المؤسسة المركزية لإدارة الأزمات العالمية، في ظل نظام يمنح الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا سلطة تعطيل أي قرار جوهري في مجلس الأمن، بحسب تقرير لـ "الجزيرة نت".
من ليبيا إلى سوريا
برزت مشكلة الانقسام داخل مجلس الأمن بوضوح خلال أحداث عام 2011. ففي ليبيا، تحرك المجلس لاتخاذ إجراءات شملت فرض حظر جوي بدعوى حماية المدنيين، في حين تعثرت محاولات اتخاذ إجراءات مماثلة تجاه الحرب في سوريا بسبب الخلاف بين الدول دائمة العضوية، ولا سيما روسيا والصين.
وأعاد التباين بين الحالتين طرح سؤال ظل يتكرر في أزمات لاحقة: إلى أي مدى تستطيع الأمم المتحدة تطبيق مبادئ حماية المدنيين والقانون الدولي بصورة متسقة عندما تتعارض هذه المبادئ مع مصالح القوى الكبرى؟
مجلس يعكس عالم 1945
تأسست الأمم المتحدة في 24 أكتوبر/تشرين الأول 1945 عقب الحرب العالمية الثانية، بهدف منع اندلاع حروب مدمرة جديدة وتعزيز التعاون بين الدول.
ويضم مجلس الأمن 15 عضوا، خمسة منهم دائمون ويتمتعون بحق النقض، وهم الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، بينما تنتخب الجمعية العامة عشرة أعضاء غير دائمين لفترات محددة.
لكن تركيبة المجلس باتت محل انتقادات متزايدة، إذ يرى المطالبون بالإصلاح أنها تعكس موازين القوى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية أكثر مما تعبر عن العالم الحالي.
فأفريقيا، رغم ثقلها السكاني والسياسي، لا تمتلك مقعدا دائما، وكذلك أمريكا اللاتينية والعالم العربي، في حين تطالب قوى صاعدة مثل الهند بدور أكبر في المؤسسات الدولية.
الفيتو في قلب الأزمة
يبقى حق النقض أكثر القضايا إثارة للجدل في مسألة إصلاح مجلس الأمن، إذ تستطيع دولة واحدة من الأعضاء الخمسة الدائمين منع صدور قرار حتى لو حظي بتأييد بقية أعضاء المجلس.
ويزداد تأثير هذه الآلية عندما تكون إحدى الدول الدائمة طرفا مباشرا في نزاع أو حليفا رئيسيا لأحد أطرافه، وهو ما قد يحد من قدرة المجلس على اتخاذ إجراءات جماعية.
وقد ظهرت هذه الإشكالية في ملفات عدة، من سوريا وأوكرانيا إلى الحرب في غزة، حيث ارتبطت تحركات مجلس الأمن بمواقف الدول الدائمة العضوية واستخدامها الفيتو.
نجاحات لا تلغي الانتقادات
ورغم الانتقادات، أدت الأمم المتحدة خلال العقود الماضية أدوارا بارزة في الوساطة ووقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية.
فقد شاركت في جهود لإنهاء أو احتواء نزاعات في مناطق مثل السلفادور وليبيريا، كما نفذت وكالاتها عمليات إغاثة واسعة خلال المجاعات والأوبئة وحالات النزوح في مناطق مختلفة من العالم.
لكن هذه الأدوار لم تنه النقاش المتعلق بقدرة المنظمة على التعامل مع الأزمات التي تتقاطع بصورة مباشرة مع مصالح القوى الكبرى.
هل يصبح دور الأمم المتحدة رمزيا؟
يحذر بعض المحللين من أن استمرار العجز عن إصلاح مجلس الأمن قد لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الأمم المتحدة أو اختفائها، لكنه قد يدفع الدول تدريجيا إلى البحث عن مسارات أخرى لاتخاذ القرارات.
وفي هذا السيناريو، يمكن أن تنتقل أجزاء متزايدة من القوة السياسية والأمنية والاقتصادية إلى تحالفات عسكرية وتكتلات اقتصادية ومنظمات إقليمية واتفاقات ثنائية، بينما تستمر الأمم المتحدة بوصفها منصة دبلوماسية وإنسانية ولكن بتأثير أقل في إدارة الأزمات الكبرى.
ومن هنا تكتسب الدعوات التركية لإصلاح مجلس الأمن أهمية ضمن نقاش أوسع لا يتعلق بزيادة عدد المقاعد فقط، وإنما بالسؤال عن شكل النظام الدولي نفسه: هل تبقى القرارات الأكثر حساسية مرتبطة بموافقة خمس دول، أم تتجه المنظمة نحو صيغة أوسع للتمثيل والمشاركة؟
وبين المطالب بإلغاء الفيتو أو تقييده، وتوسيع مجلس الأمن ومنح مناطق غير ممثلة بصورة دائمة دورا أكبر، يظل الإصلاح مرتبطا في النهاية بموافقة الدول التي تمتلك حاليا أكبر قدر من النفوذ داخل النظام نفسه.
وبذلك، لا يتعلق النقاش بمستقبل مجلس الأمن وحده، بل بقدرة الأمم المتحدة على الحفاظ على موقعها مركزا لصناعة القرار الدولي في عالم تتزايد فيه التحالفات والتكتلات الموازية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











