
ترك برس
تثير عمليتا توقيف نفذتهما السلطات التركية والسورية خلال أيام متقاربة تساؤلات بشأن تصاعد ملاحقة شخصيات مرتبطة بنظام بشار الأسد السابق، سواء ممن تتهمهم تركيا بالضلوع في تفجير الريحانية عام 2013 أو ممن تتهمهم السلطات السورية بالمشاركة في مجازر وانتهاكات ارتكبت خلال سنوات الثورة.
وجاء أحدث التطورات بإعلان السلطات السورية، الأحد، القبض على جمال طرابلسي، الذي عرّفته وزارة الداخلية السورية بأنه نائب علي كيالي المعروف باسم "معراج أورال"، قائد ميليشيا "المقاومة السورية" التي قاتلت إلى جانب قوات النظام السابق.
وقالت قوى الأمن الداخلي السورية إن طرابلسي شارك مع الميليشيا في عمليات قتالية دعما لقوات النظام السابق، من بينها أحداث البيضا وبانياس عام 2013، إلى جانب مشاركته في معارك بريف حماة وإدلب وحلب.
وأكدت وزارة الداخلية السورية أن توقيفه يأتي ضمن جهودها لملاحقة مسؤولي وعناصر النظام السابق والميليشيات المرتبطة به ممن تتهمهم بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق السوريين، في إطار ما تصفه السلطات الجديدة بمسار عدم الإفلات من العقاب والعدالة الانتقالية.
من بانياس والبيضا إلى ملف الريحانية
وتكتسب عملية القبض على طرابلسي أهمية إضافية بسبب ارتباطه بمعراج أورال، وهو اسم يرد كذلك في ملف تفجيري الريحانية بولاية هاتاي التركية عام 2013.
وكانت محكمة تركية قد أبقت ملف معراج أورال ضمن الملفات المنفصلة للمتهمين الفارين في قضية الريحانية، إلى جانب متهمين آخرين، وذلك خلال أحدث مراحل المحاكمة التي شهدت في يونيو/حزيران الماضي صدور أحكام مشددة بحق عدد من المتهمين.
وفي 11 مايو/أيار 2013، شهدت مدينة الريحانية الحدودية في ولاية هاتاي تفجير سيارتين مفخختين قرب مبنى البلدية ومكتب للبريد، ما أسفر عن مقتل 53 شخصا وإصابة عدد كبير، إضافة إلى أضرار لحقت بمئات المنازل والمتاجر والمركبات.
ومنذ ذلك الحين، واصلت السلطات التركية عمليات البحث عن المتهمين الفارين في القضية، ونفذت الاستخبارات التركية خلال السنوات الماضية سلسلة عمليات انتهت بإعادة عدد منهم إلى تركيا.
توقيف عمر الخطيب بعد 13 عاما
وقبل أيام من توقيف طرابلسي في سوريا، أعلنت الاستخبارات التركية في الأول من أكتوبر/تشرين الأول القبض على عمر الخطيب، أحد المطلوبين في قضية الريحانية، أثناء محاولته الهرب بحرا إلى أوروبا، قبل نقله إلى تركيا.
وبحسب مصادر أمنية تركية، كان الخطيب ضمن المشاركين في التخطيط والتنظيم للهجوم، واتهمته السلطات التركية بتولي التنسيق بين منفذي التفجير وعناصر في الاستخبارات التابعة لنظام الأسد آنذاك.
وتقول الرواية الأمنية التركية إن الخطيب دخل تركيا قبل الهجوم برفقة يوسف نازيك للمساعدة في تحديد أهداف العملية، كما شارك في اتصالات مع مسؤولين أمنيين سوريين مرتبطين بالتخطيط للهجوم.
كما أفادت المصادر التركية بأن الخطيب توجه قبل تنفيذ التفجير برفقة تمير دوكانجي إلى فرع الاستخبارات العسكرية في اللاذقية لتسلّم مواد مرتبطة بالعبوات المستخدمة في الهجوم، قبل أن ينقل منفذون السيارات المفخخة إلى الريحانية.
سلسلة طويلة من عمليات الملاحقة
ولم يكن الخطيب أول المطلوبين الذين تمكنت تركيا من الوصول إليهم بعد سنوات من الهجوم.
ففي عام 2018، نفذت الاستخبارات التركية عملية جلبت خلالها يوسف نازيك من سوريا، قبل أن تحكم عليه محكمة تركية عام 2019 بالسجن المؤبد المشدد 53 مرة.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، ألقت السلطات التركية القبض على جنكيز سيرتل، ثم قبضت الاستخبارات التركية في يناير/كانون الثاني 2025 على محمد ديب كور علي، وفي فبراير/شباط من العام نفسه على تمير دوكانجي خلال محاولة انتقاله من سوريا باتجاه لبنان.
وفي يونيو/حزيران 2026، أصدرت محكمة الجنايات الثقيلة التاسعة في أنقرة أحكاما بحق عدد من المتهمين في القضية، بينها أحكام بالسجن المؤبد المشدد 53 مرة بحق كل من محمد غيزر وتمير دوكانجي وجنكيز سيرتل، إضافة إلى آلاف السنوات من السجن في تهم أخرى مرتبطة بالهجوم.
وجاء توقيف عمر الخطيب بعد ذلك بأربعة أشهر تقريبا ليقلص مجددا قائمة أبرز المطلوبين الفارين في الملف.
ماذا حدث في البيضا وبانياس؟
أما على الجانب السوري، فيعيد اعتقال جمال طرابلسي إلى الواجهة ملف مجازرتي البيضا وبانياس اللتين وقعتا يومي 2 و3 مايو/أيار 2013.
ووثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" مقتل ما لا يقل عن 248 شخصا في البلدتين، بينهم 167 في البيضا و81 في بانياس، وقالت إن القوات الحكومية السورية آنذاك ومجموعات مسلحة موالية لها نفذت عمليات إعدام جماعية بحق مدنيين عقب انتهاء الاشتباكات في المنطقة.
وذكرت المنظمة أن العدد الحقيقي للضحايا ربما كان أعلى من الأرقام التي تمكنت من توثيقها، ووصفت ما وقع بأنه من أكثر حالات الإعدام الجماعي دموية خلال السنوات الأولى من النزاع السوري.
وتربط السلطات السورية الحالية جمال طرابلسي بميليشيا "المقاومة السورية" التي كان يقودها معراج أورال، وتقول إنه شارك ضمن صفوفها في عمليات عسكرية إلى جانب قوات النظام السابق، بينها أحداث البيضا وبانياس.
معراج أورال.. اسم مشترك بين الملفين
ويمثل معراج أورال نقطة تقاطع لافتة بين ملفي الريحانية في تركيا والانتهاكات التي شهدها الساحل السوري.
فأورال، واسمه علي كيالي، قاد خلال سنوات الحرب تنظيما مسلحا حمل اسم "المقاومة السورية – الجبهة الشعبية لتحرير لواء إسكندرون"، وتمركز أساسا في مناطق الساحل السوري وقاتل إلى جانب قوات النظام السابق.
وفي تركيا، يظهر اسمه ضمن المتهمين الفارين في ملف تفجير الريحانية، وقد قررت المحكمة التركية في يونيو/حزيران الماضي فصل ملفه عن القضية الرئيسية إلى جانب متهمين فارين آخرين.
وفي سوريا، ارتبط اسم مجموعته باتهامات بالمشاركة في انتهاكات واسعة خلال سنوات الحرب، بينما تصف السلطات السورية الحالية جمال طرابلسي بأنه نائبه وأحد قيادات التنظيم.
هل هناك تنسيق تركي–سوري؟
تزامن توقيف عمر الخطيب من جانب الاستخبارات التركية مع القبض على جمال طرابلسي في سوريا خلال فترة لا تتجاوز بضعة أيام يفتح الباب أمام التساؤل عما إذا كانت مرحلة جديدة من ملاحقة شخصيات مرتبطة بالنظام السابق قد بدأت.
لكن حتى الآن لم تعلن أنقرة أو دمشق عن وجود عملية أمنية مشتركة بين البلدين تتعلق بملف الريحانية أو بملاحقة أعضاء ميليشيا معراج أورال.
كما لم تعلن السلطات السورية أن توقيف طرابلسي مرتبط مباشرة بتحقيقات تفجير الريحانية، بل ركز بيان وزارة الداخلية السورية على دوره المزعوم في القتال إلى جانب قوات النظام السابق والمشاركة في أحداث بانياس والبيضا.
لذلك يبقى الربط بين العمليتين في الوقت الحالي قائما على تقارب التوقيت وتشابك أسماء وشبكات مرتبطة بالملفين، وليس على إعلان رسمي عن تعاون أمني مشترك.
ملفات قديمة تعود إلى الواجهة
غير أن التطورات الأخيرة تكشف في الوقت نفسه عن تحول واضح في البيئة التي تحرك فيها المطلوبون خلال السنوات السابقة.
فسقوط نظام بشار الأسد غيّر المعادلة الأمنية داخل سوريا، وفتح أمام السلطات السورية الجديدة ملفات شخصيات وميليشيات كانت تتمتع سابقا بالحماية أو بحرية الحركة داخل مناطق سيطرة النظام.
وبالنسبة إلى تركيا، وفرت التحولات في سوريا فرصا إضافية لمواصلة ملاحقة متهمين بقضية الريحانية ظل بعضهم فارا لأكثر من عقد.
ومن هنا، فإن عمليات القبض المتلاحقة لا تعني بالضرورة وجود غرفة عمليات مشتركة بين أنقرة ودمشق، لكنها تشير إلى أن هامش الحركة أمام شخصيات مرتبطة بأجهزة النظام السابق وميليشياته بات أضيق مما كان عليه في السنوات الماضية.
وبينما تواصل تركيا إغلاق حلقات ملف تفجير الريحانية، تقول السلطات السورية الجديدة إنها ماضية في ملاحقة المتورطين في جرائم وانتهاكات خلال سنوات الثورة، وهو ما قد يجعل المرحلة المقبلة تحمل توقيفات جديدة لشخصيات ظلت لسنوات خارج متناول القضاء في البلدين.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!









