د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس

قد يمرّ المؤمن في حياته بأوقات من الضيق والابتلاء، فيثقل قلبه، وتضيق به الأسباب، وربما ظن أن الفرج قد ابتعد. وهنا تأتي قصة قوم يونس عليه السلام لتذكّره بأن أعظم ما يملكه في أوقات الشدة هو الرجوع إلى الله، والتمسك بالإيمان، وحسن الظن برحمته.

لقد رجع قوم يونس إلى الله وآمنوا، فكشف عنهم العذاب ومتعهم إلى حين. قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾. وفي قصتهم رسالة لكل مؤمن: لا تجعل البلاء يحجبك عن ربك، ولا تجعل تأخر الفرج يضعف يقينك؛ فقد يكون الرجوع إلى الله هو بداية التغيير، وقد يفتح الصدق معه أبوابًا لم تكن تراها.

وإنّ قوم يونس (عليه السلام) نموذج لقوم كانوا في تيه وضلال وعصيان لله (عزّ وجل)، فضلالهم وعصيانهم وظلمهم أوردهم موارد التهلكة، فاستحقّوا به العذاب الأليم، عذاب الخزي في الحياة الدنيا، فلمّا تابوا وآمنوا؛ كشفنا ما بهم من ضرّ (تفسير النابلسي، (5/567))، ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾؛ أي: أنعمناهم ومددنا لهم فسحة العمر ليتمتّعوا بهذه الدنيا ومتاعها إلى حين آجالهم فرداً فرداً.

وإذا أُريد بهذه الآية قوم يونس، فإنّها تنطبق على كلّ مسلم في أيّ مكان وزمان، فكلّ إنسان معذّب دخله قليل، وعنده أمراض، وفي بيته شقاق زوجيّ، وبين أولاده من هو عاق، ولديه منغّصات في العمل، ويعاني من متاعب صحيّة، ومتاعب اجتماعيّة مع الجيران مثلاً، ومن أزمات خانقة، فتاب توبة نصوحاً، وأخلص لله إخلاصاً تامّاً، واستقام على أمره، وفعل الصالحات؛ فعندئذ لابدّ أن يبدلّ الله له حياته تبديلاً جذريّاً، فهؤلاء الذين يلتصقون بالدين التصاقاً شديداً، ويتمسّكون به، ويحرصون عليه، لماذا هم كذلك؟

لا لأنّهم متيقّنون أنّ ما جاء به الدين هو الحقّ فحسب، بل لأنّهم رأوا رأي العين النتائج الباهرة لمن يتّبع قواعد الدين. (تفسير سورة يونس، د. أحمد نوفل، ص323)

فعندما يستقيم المؤمن على أمر الله، ويتّبع قواعد الدين يجد البركة والحياة الطيّبة والسكينة والتوفيق الربانيّ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ ‌حَيَاةً ‌طَيِّبَةً﴾.

فالمؤمن لديه وعد من ربّ العالمين، عندما يحقّق التوحيد ويفرد العبادة لله وينبذ الشرك والكفر بأنواعه، أن يمتّعه إلى حين بصحّته، وسمعه وبصره، وبعقله، وبعمله، وقوم يونس مثلٌ لكلّ قوم ضاقت بهم السبل، وأصابهم ما أصابهم، وعانوا من عذابات شتّى، ومن أزمات مختلفة لو فعلوا كما فعل قوم يونس لكشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولمتّعهم إلى حين، فهذه الآية تنطبق على الجماعات كما تنطبق على الأفراد. (تفسير النابلسي، مرجع سابق، (5/567))

والمعنى العام للآية الكريمة في سورة يونس: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا ‌قَوْمَ ‌يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ۝٩٨﴾ [يونس: 98].

إنّ الله يذمّ الكفّار السابقين لعدم إيمانهم، وبيّن أنّهم لو آمنوا لرفع العذاب عنهم، لأنّ الإيمان ينفع أصحابه برفع العذاب.

ويُقرّر الله حقيقة تاريخيّة: لم يؤمن أهل قرية بكاملها من قرى الكافرين السابقين، ولو آمنوا بكاملهم لنفعهم، ورفع العذاب عنهم، ولا يستثنى من هؤلاء إلّا قوم يونس، فقد كانوا كفّاراً وهدّدهم الله بالعذاب، ولكنّهم آمنوا بكاملهم جميعاً قبل انتهاء المهلة، وقبل وقوع العذاب، وبذلك نفعهم إيمانهم، فرفع الله العذاب عنهم في الدنيا والآخرة، وجعلهم يعيشون حياتهم في سعادة إلى حين انتهاء أعمارهم، ومجيء آجالهم.

هذا هو الراجح في معنى الآية، وهذا ما ذكره المحقّقون من المفسّرين. (نبي الله يونس، د. علي الصلابي، ص184)

المراجع:

نبي الله يونس (عليه السلام)، د. علي محمد محمد الصلابي، دار الأصالة – إسطنبول، ط1، 1448ه – 2026م.
تفسير القرآن الكريم، محمد راتب النابلسي، 2022م.
تفسير سورة يونس، د. أحمد نوفل، جمعية المحافظة على القرآن الكريم، 2000م.

عن الكاتب

د. علي محمد الصلّابي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس