ترك برس

حوّلت جماهير نادي غلطة سراي التركي مدرجات ملعب «رامس بارك» في إسطنبول إلى منصة للتضامن مع الشعب الفلسطيني، خلال مواجهة فريقها أمام برشلونة الإسباني في دوري أبطال أوروبا، رافعة لافتات ضخمة تندد بمعاناة سكان قطاع غزة وتطالب بالحرية لفلسطين، في مشهد يعكس استمرار حضور القضية الفلسطينية في الملاعب التركية، بالتوازي مع المواقف الرسمية والشعبية الداعمة لها.

وجاءت المبادرة خلال المباراة التي أُقيمت مساء الثلاثاء 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ضمن الجولة الثانية من مرحلة الدوري في دوري أبطال أوروبا، وانتهت بفوز برشلونة بأربعة أهداف مقابل هدف، بحضور أكثر من 49 ألف متفرج.

ورفعت الجماهير لافتتين بارزتين في المدرجات، حملت الأولى عبارة «الإنسانية فقدت ضميرها في غزة»، فيما كُتب على الثانية «الحرية لفلسطين»، في رسالة احتجاج على استمرار المعاناة الإنسانية في القطاع، وتأكيد على أن القضية الفلسطينية لا تزال حاضرة في وجدان قطاعات من جماهير كرة القدم التركية.

وانتشرت صور ومقاطع اللافتات عبر منصات التواصل الاجتماعي، كما وثقت وكالة رويترز رفع لافتة «الحرية لفلسطين» قبل انطلاق المباراة، في حين تناولت وسائل إعلام عربية وتركية المشهد بوصفه امتدادًا لمواقف مشجعي غلطة سراي الداعمة للفلسطينيين.

من الدوري التركي إلى الملاعب الأوروبية

لم تكن لافتات مباراة برشلونة أول تعبير من جماهير غلطة سراي عن تضامنها مع فلسطين، إذ سبق أن استخدمت مدرجات النادي في مباريات محلية وقارية لإيصال رسائل مماثلة.

ففي السابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، رفعت الجماهير خلال مباراة في الدوري الأوروبي لافتات تحمل عبارات «الحرية لفلسطين» و«دعوا أطفال غزة يعيشون»، في احتجاج على العمليات العسكرية الإسرائيلية وتداعياتها الإنسانية.

وفي 30 أغسطس/آب 2025، شهد ملعب «رامس بارك» مبادرة أخرى خلال مواجهة غلطة سراي وتشايكور ريزا سبور، إذ رفعت الجماهير لافتات تطالب بفتح معبر رفح لإيصال المساعدات الإنسانية، وأعلنت دعمها لأسطول الصمود العالمي الساعي إلى كسر الحصار عن غزة.

وتكرر المشهد في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2025، عندما نظمت جماهير الفريق عرضًا بصريًا خلال مواجهة بودو غليمت النرويجي في دوري أبطال أوروبا، شكّلت فيه العلم الفلسطيني ورفعت لافتة ضخمة تطالب بوقف الإبادة الجماعية.

وتظهر هذه المبادرات أن تضامن جماهير غلطة سراي لم يقتصر على مناسبة واحدة، بل تحول إلى حضور متكرر في المدرجات، مستفيدًا من المتابعة الجماهيرية والإعلامية الواسعة للمسابقات الأوروبية.

تضامن يتجاوز المنافسة بين الأندية التركية

ولا يقتصر التضامن مع فلسطين على جماهير غلطة سراي، إذ شهدت ملاعب تركية أخرى مبادرات مشابهة من مشجعي أندية كبرى، رغم المنافسة الرياضية الحادة بينها.

ففي الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 2025، رفعت جماهير بشكتاش خلال مباراة الديربي أمام فنربخشة عرضًا تضامنيًا تضمن عبارة «الحرية لفلسطين» وصورة لأسطول الصمود العالمي، إلى جانب أعلام فلسطينية انتشرت في مدرجات ملعب «توبراش» بإسطنبول.

وامتد هذا التفاعل خارج الملاعب، ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلنت أندية غلطة سراي وفنربخشة وبشكتاش وطرابزون سبور دعمها لتجمع جماهيري تضامني مع فلسطين في إسطنبول، كان مقررًا تنظيمه مطلع العام الجديد.

وحينها، وصف رئيس غلطة سراي دورسون أوزبك ما يجري في غزة بأنه اختبار لضمير الإنسانية، داعيًا الجماهير إلى المشاركة في التعبير عن التضامن مع الفلسطينيين.

ويعكس انخراط أندية متنافسة في مبادرات متقاربة اتساع حضور القضية الفلسطينية داخل الأوساط الرياضية التركية، حيث تتحول المدرجات في بعض المناسبات إلى مساحة للتعبير عن قضايا تتجاوز نتائج المباريات والمنافسات الكروية.

الموقف الرسمي التركي من غزة

وتأتي هذه التحركات الجماهيرية في سياق موقف رسمي تركي ينتقد العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، ويدعو إلى وقف الانتهاكات وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

فمنذ اندلاع الحرب عقب هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تبنّت أنقرة خطابًا سياسيًا ودبلوماسيًا داعمًا للحقوق الفلسطينية، مع تأكيدها المتكرر ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أساس حل الدولتين.

وفي السادس من سبتمبر/أيلول 2026، شاركت تركيا في بيان مشترك مع سبع دول إسلامية وعربية، أدان التصريحات الإسرائيلية المتعلقة بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، ورفض أي محاولات لتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي للأراضي الفلسطينية.

وأكد البيان أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن تحقيق السلام العادل والدائم يتطلب إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي 22 سبتمبر/أيلول، جددت تركيا والدول المشاركة في بيان آخر الدعوة إلى حماية وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، والشروع في إعادة إعمار البنية التحتية المتضررة.

كما شدد البيان على رفض تهجير الفلسطينيين، وضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية وفق ترتيبات خطة السلام، وضمان وحدة الأراضي الفلسطينية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.

وتبرز هذه المواقف الدبلوماسية التزام أنقرة المعلن بدعم الحقوق الفلسطينية، بينما تعبّر المبادرات الجماهيرية عن بعد شعبي ورياضي من التضامن مع سكان القطاع.

غزة حاضرة رغم اتفاق وقف إطلاق النار

وجاءت لافتات جماهير غلطة سراي في وقت لا تزال فيه الأوضاع الإنسانية في غزة بالغة الصعوبة، رغم مرور نحو عام على اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

فقد شهد القطاع خلال العام التالي استمرار سقوط ضحايا في هجمات واشتباكات متفرقة، إلى جانب بطء عمليات إعادة الإعمار، واستمرار معاناة أعداد كبيرة من النازحين جراء الدمار الواسع الذي أصاب المنازل والمرافق الأساسية.

وبحسب تقارير نُشرت في أكتوبر/تشرين الأول 2026، لم تتحقق بعد أجزاء أساسية من ترتيبات وقف إطلاق النار، في ظل خلافات بشأن الانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية والإدارية المستقبلية للقطاع.

وتؤكد إسرائيل أن عملياتها تستهدف تهديدات أمنية ومسلحين، بينما تتهمها جهات فلسطينية بمواصلة خرق الاتفاق، وسط دعوات دولية لتنفيذ الالتزامات المتفق عليها وتحسين الأوضاع الإنسانية.

وفي هذا السياق، تحمل عبارة «الإنسانية فقدت ضميرها في غزة»، التي رفعتها جماهير غلطة سراي، انتقادًا لاستمرار المأساة الإنسانية رغم الجهود الدبلوماسية والاتفاقات الرامية إلى إنهاء الحرب.

كرة القدم منصة لإيصال الرسائل

وتكتسب المبادرات الجماهيرية في البطولات الأوروبية أهمية خاصة بسبب المتابعة العالمية الواسعة لهذه المسابقات، التي توفر لجماهير الأندية فرصة لإيصال رسائلها إلى جمهور يتجاوز حدود بلدانها.

وبالنسبة إلى جماهير غلطة سراي، أتاحت مواجهة برشلونة، أحد أبرز الأندية الأوروبية، فرصة جديدة لإبراز القضية الفلسطينية أمام المتابعين من مختلف أنحاء العالم.

ولم تكن الرسالة هذه المرة مرتبطة بالمنافسة الرياضية أو بنتيجة المباراة، بل بمعاناة المدنيين في قطاع غزة والمطالبة بحق الفلسطينيين في الحرية.

وبينما انتهت المواجهة بفوز الفريق الإسباني على أرض الملعب، بقيت صور اللافتات الفلسطينية واحدة من أبرز المشاهد الجماهيرية المصاحبة لها، لتؤكد استمرار استخدام مدرجات كرة القدم التركية مساحة للتعبير عن التضامن الإنساني والسياسي مع فلسطين.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!