
مصطفى جانر - صباح - ترجمة و تحرير ترك برس
مرّ الأسبوع الماضي سريعاً. فقد توالت التطورات المفاجئة على الجبهة الإيرانية. وعلى الرغم من وقف إطلاق النار الذي أُعلن في 8 نيسان/أبريل، واصلت جميع الأطراف (الولايات المتحدة/إسرائيل وإيران) هجماتها، بينما شهد الجانب الإيراني تطوراً غير متوقع. فللمرة الأولى في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، استهدفت إيران دولة أخرى من دون أن تكون قد تعرضت لهجوم مباشر عليها. وردّاً على استهداف إسرائيل هذه المرة لبيروت، أي لبنان، بدلاً من إيران، شنت إيران هجوماً على إسرائيل.
ويكشف هذا الهجوم من جهة عن التحول الذي طرأ على استراتيجية الردع الإيرانية ومنطقها، ومن جهة أخرى عن توسيع إيران لساحة الحرب لتشمل لبنان. وبالطبع، كان حزب الله قد دخل على خط الحرب الإيرانية – الإسرائيلية منذ بدايتها نيابةً عن إيران – أو من أجلها – وبدأ بتنفيذ هجمات ضد إسرائيل. إلا أن استهداف إيران لإسرائيل بعد قيام الأخيرة بمهاجمة حزب الله كان سابقة تاريخية. صحيح أن إيران كانت قد هاجمت إسرائيل أيضاً عقب مقتل زعيم حزب الله حسن نصر الله، لكن ذلك الهجوم الانتقامي جاء بسبب مقتل أحد قادتها العسكريين، عباس نيلفروشان، إلى جانب نصر الله. أما هذه المرة، فلم تكن هناك علاقة مباشرة بين الهجمات على بيروت والخسائر الإيرانية.
ويجب قراءة هذه العملية بالتوازي مع التغيرات الجارية في موازين القوة داخل إيران. إذ إن أصحاب السلطة الجدد في إيران باتوا بعيدين عن منطق الردع القديم، أي الهجمات الرمزية، والتهديدات التي لا يتبعها فعل، أو الاكتفاء بالرد على الهجمات بالمستوى نفسه. ففي منطق الردع الجديد هذا، تبرز إيران بوصفها فاعلاً يبادر إلى الهجوم، ويستبق الأحداث، ويفرض الشروط المسبقة، ويحاول إملاء قواعد اللعبة في الميدان، ويتسم بالتشدد وعدم المساومة. وإذا أردنا التعبير عن ذلك بالمصطلح المتداول في الأدبيات الأكاديمية، فإن طهران تنزلق تدريجياً نحو ما يُعرف بـ«الردع الاستباقي» (Preemptive Deterrence). فهي لم تعد تبحث عن الردع في الرد على خطوة الخصم، بل في المبادرة التي تعيد تشكيل موازين الميدان منذ البداية وتسعى إلى تحديد طبيعة رد فعل الطرف الآخر. ويجب التذكير مجدداً بأن التطور الذي مهد لهذا التحول هو انتقال السلطة الفعلية في إيران إلى قادة الحرس الثوري، مع تهميش السلطات السياسية المنتخبة، مثل رئيس الجمهورية، في عمليات صنع القرار.
وأمام هذا المشهد الجديد، سيكون على الولايات المتحدة وإسرائيل إعادة ضبط خطواتهما المقبلة. فالصيغة القديمة التي تقوم على ضرب إيران ثم إغراقها في مفاوضات طويلة قبل العودة إلى استهدافها مجدداً لم تعد صالحة. ذلك أن إيران بدأت تدعم ادعاءها بالردع بخطوات ملموسة على الأرض. كما أنها لم تعد تنتظر طويلاً لتوجيه ردود أكثر قوة عند أي رد إسرائيلي ولو كان محدوداً. ومن أهم حلقات هذه المعادلة الجديدة جماعة الحوثيين. فبعد الهجمات الإيرانية على إسرائيل، أعلن الحوثيون أيضاً أنهم هاجموا إسرائيل واستهدفوا حيفا. كما أعلنوا وقف حركة الملاحة في البحر الأحمر وإغلاق مضيق باب المندب أمام «سفن العدو». ولم يكن للنص الحرفي لهذا الإعلان أهمية كبيرة. ففي هذه المرحلة، حتى السفن التي لا تُعدّ معادية لن تكون مستعدة لتحمل مخاطر العبور من هناك. أي إن حركة الملاحة البحرية باتت مضطربة بالفعل. وهذا يعني أن مضيقاً جديداً أصبح مهيأً لهز التجارة العالمية قبل أن تُحل أزمة مضيق هرمز أصلاً. وبعبارة أخرى، تضاف أزمة جديدة فوق أزمة هرمز القائمة.
وفوق ذلك، سُجّل استهداف إيران لإسرائيل دفاعاً عن حزب الله بوصفه تطوراً عزز ثقة حلفائها الإقليميين بها. فقد جرى التخفيف، ولو جزئياً، من المخاوف الوجودية التنظيمية التي تعيشها أو قد تعيشها المجموعات المسلحة المقربة من إيران في لبنان والعراق واليمن وغيرها، في أثناء اندماجها ضمن الأجندة العسكرية الإيرانية. وهكذا، باتت إيران تستعرض قدرة ردعية لا تستند فقط إلى قوتها العسكرية الذاتية، بل إلى شبكة إقليمية كاملة من القوى الحليفة المسلحة.
نحو اتفاق؟
وسط هذه الدوامة من التوتر، تسارعت الأحداث خلال الأيام الأخيرة بوتيرة مذهلة. ففي 9 حزيران/يونيو، شنّ ترامب هجوماً محدوداً على إيران متخذاً من إسقاط مروحية أمريكية فوق مضيق هرمز ذريعة لذلك. وتبعت هذا الهجوم، ليلة 10 حزيران/يونيو، ضربات استهدفت منشآت عسكرية إيرانية على سواحل هرمز، إضافة إلى أنظمة الإنذار المبكر وعناصر من القوات البحرية. كما أعلن ترامب مساء 11 حزيران/يونيو أنهم سينفذون هجمات مكثفة ضد إيران. وقال إنه سيصادر النفط الإيراني، بل وصرح بأنهم سيسيطرون قريباً على جزيرة خارك أيضاً. لكنه عاد لاحقاً، في رسالة نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ليعلن إلغاء الهجمات، موضحاً أنه اتخذ هذا القرار بوساطة دول المنطقة. أما الرسالة الأهم فكانت إعلانه أن الاتفاق مع إيران بات وشيكاً وأن التوقيع عليه سيتم خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وكان بالإمكان اعتبار تصريحات الرئيس الأمريكي مجرد واحدة من تصريحاته المشابهة الكثيرة السابقة. غير أن التوقعات ارتفعت بعدما أعلنت وكالة «فارس» الإيرانية أيضاً أن إدارة طهران تتعامل بإيجابية مع مسودة الاتفاق التي يجري تبادلها بين الطرفين. والآن، لا تتابع جميع الأطراف المتأثرة بالحرب بشكل مباشر أو غير مباشر فحسب، بل كذلك كل الجهات المعنية بالملف، التطورات التي ستتبلور خلال الساعات والأيام المقبلة بدقة شديدة.
ولم يكشف ترامب عن تفاصيل مهمة تتعلق بمضمون الاتفاق. غير أنه إذا كانت إيران قد قبلت بهذا الاتفاق رغم التغيير الذي شرحته أعلاه في استراتيجية الردع وتشدد مواقفها، فمن المرجح أن السبب يعود إلى نجاحها في انتزاع تنازلات مهمة على طاولة المفاوضات. ومع ذلك، فأنا أحتفظ بتفاؤل حذر. فهناك عوامل معرقلة مثل إسرائيل، وساحات متفجرة مثل لبنان، ستحدد عمر الاتفاق ومدى صلابته وتأثيره. كما ينبغي عدم نسيان أن معالجة الملف النووي لا تزال تتطلب مساراً طويلاً. لكن من غير الواقعي أيضاً انتظار حل جميع المشكلات دفعة واحدة وفي وقت قصير. وإذا ما أُعلن هذا الاتفاق بالفعل، فإنه سيوفر للأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس على طريق الوصول إلى حل. كما سيمهد لخفض مستوى التوتر وإتاحة المجال أمام مساهمات بناءة من الأطراف الأخرى لتحديد مسار المرحلة المقبلة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











