
ترك برس
أعاد قرار مجلس النواب الليبي في بنغازي بالموافقة على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا رسم ملامح جديدة للمشهد في شرق المتوسط، بعدما تراجع المجلس عن موقفه الرافض للاتفاق منذ عام 2020. وبذلك لم تعد المذكرة الموقعة في طرابلس تحظى بدعم طرف واحد في ليبيا، بل اكتسبت تأييداً من شرق البلاد أيضاً، في تطور يفتح الباب أمام تحولات في الحسابات السياسية والبحرية، ويضع التوازنات الإقليمية ومواقف الأطراف المعنية أمام معطيات جديدة.
يقول الكاتب حسن حسين أوز في تحليل نشرته صحيفة ستار: «وافق مجلس النواب في بنغازي بالإجماع على مذكرة التفاهم التركية-الليبية بشأن مناطق الولاية البحرية. وألغى أيضاً قرار الرفض الصادر قبل ست سنوات. فالتوقيع الذي وُضع في طرابلس نال الآن دعماً من بنغازي أيضاً. وهذا ليس تصحيحاً صغيراً في السياسة الليبية؛ بل نقطة ثقل جديدة في حساب شرق المتوسط».
وقد رحّب الرئيس أردوغان بالخبر واصفاً إياه بأنه «مسرّ للغاية»، متمنياً أن يكون خيراً، ومسلّماً على أعضاء مجلس النواب الليبي. أما زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي فقد وضعه في سياق تاريخي قائلاً: «من تركيا التي كانت تبحث أمس عن طرق للوصول إلى طرابلس الغرب، إلى تركيا التي تدافع اليوم عن حقوقها وقانونها في المتوسط...».
ويشير أوز إلى أن المسافة بينهما قرن كامل. ففي عام 1911 كانت البحرية الإيطالية تجوب المتوسط، بينما كانت الدولة العثمانية تبحث عن طريق لإيصال الجنود والذخيرة إلى طرابلس الغرب. أما اليوم فتُظهر القوات البحرية التركية علمها في البحر نفسه. وتركيا تحدد مناطق الولاية البحرية بالاتفاق، وتدافع عن حقها على الطاولة وتحميه في الميدان.
ويصف الكاتب استراتيجية الوطن الأزرق بأنها اسم هذا التحول التاريخي: استراتيجية تعرّف المصلحة الوطنية، وتربطها بتوافق قانوني، وتقف وراءها إرادة الدولة. ويقول: «تركيا لم تعد تعترض فقط على الخرائط التي يرسمها الآخرون. فهي تطرح أطروحتها الخاصة، وتقيم اتفاقيات مع جيرانها المتشاطئين، وتضع ثقلها في تأسيس النظام الإقليمي».
ويضيف أن قرار مجلس النواب الليبي أضاف سنداً سياسياً جديداً لهذه الإرادة. فالمجلس في شرق ليبيا الذي رفض المذكرة عام 2020 وافق عليها الآن. وهو لم يوحّد ليبيا، لكنه أسقط الادعاء بأن «أنقرة تتحدث مع طرابلس فقط»، وزاد من الوزن السياسي للخط التركي-الليبي. وفي السياسة الواقعية يكمن المكسب هنا: ليس في إسكات اعتراض الخصم دفعة واحدة، بل في تعزيز اليد وتضييق هامش المناورة على الطرف المقابل.
أما سياسة أثينا في شرق المتوسط فتلخصها جملة واحدة بحسب الكاتب: التشبث بذيل إسرائيل، والإشارة بالإصبع إلى تركيا، واعتبار ذلك استراتيجية كبرى. وتحتل إدارة جنوب قبرص اليونانية مكاناً في صورة التحالف، وكأن الظهور في الصورة يعادل وضع ثقل في الميدان. فأثينا تدخل في مظلة إسرائيل وتبيع الشجاعة لتركيا. ورفع الصوت في ظل الآخرين أمر سهل.
ويؤكد أوز أن المسألة لا تقتصر على هذه العواصم الثلاث. فالاتحاد الأوروبي يعترض على المذكرة، وواشنطن تقف على مسافة. وفي الوقت نفسه يدعم الاتحاد الأوروبي نفسه مشروع كابل الكهرباء بين اليونان وجنوب قبرص وإسرائيل، كما تدعمه الولايات المتحدة. فمسارات الطاقة ومناطق الولاية البحرية وحسابات الأمن تلتقي على الطاولة نفسها.
ويوضح أن موافقة مجلس النواب الليبي لم تُنهِ الاعتراضات الخارجية، لكنها أزالت عقبة الرفض داخل ليبيا، ووسّعت الأرضية السياسية للمذكرة، وزادت من قوة المساومة لدى أنقرة. فهذا التصويت ليس نتيجة نهائية بمفرده، بل سند جديد وملموس في يد تركيا.
ويستشهد أوز بتعريف بهتشلي للوطن الأزرق بأنه «تعبير عن الميراث التاريخي لتركيا، وحقوقها المشروعة الناشئة عن القانون الدولي، ومثال تركيا القوية». ويؤكد أن التصويت القادم من بنغازي أظهر المقابل السياسي لهذه الكلمات: فالمذكرة الموقعة في طرابلس نالت دعماً من شرق ليبيا أيضاً.
ويخلص الكاتب إلى أن الإمبرياليين الراغبين في تشكيل شرق المتوسط وفق خطوط الطاقة والأمن الخاصة بهم، وأجهزتهم في المنطقة، قد سقط حسابهم في الفراغ. ويقول في الخلاصة: «تركيا التي كانت تبحث عن طريق للوصول إلى طرابلس الغرب، توجه اليوم مع ليبيا ميزان القوى في البحر».
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











