ترك برس

تناول مقال للكاتب والإعلامي التركي كمال أوزتورك، التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وأوروبا، والذي برز بشكل واضح خلال قمة ميونخ للأمن في ألمانيا قبل أيام.

وناقش المقال في موقع الجزيرة نت كيف أثارت تصريحات كبار مسؤولي الولايات المتحدة، مخاوف نظرائهم الأوروبيين، الذين بدأوا يتساءلون عما إذا كانت واشنطن قد تحولت من حليف إلى خصم.

كما سلط الضوء على هشاشة الدفاع الأوروبي في غياب الحماية الأميركية، واتجاه الاتحاد الأوروبي لزيادة الإنفاق العسكري بعد إدراكه ضعفه الاستراتيجي.

وتطرق أيضًا إلى تراجع نفوذ أوروبا عالميًا، وتأثير غياب القيادة القوية بعد رحيل أنجيلا ميركل، بالإضافة إلى إمكانية لعب تركيا دورًا محوريًا في إعادة التوازن للقارة العجوز، وسط استمرار العوائق السياسية والتاريخية بين الجانبين.

وفيما يلي نص المقال:

العنوان الذي يقول إن "الولايات المتحدة أصبحت عدو أوروبا" ليس من اختراعي، بل هو منسوب إلى أحد الدبلوماسيين الأوروبيين.

ربما كان إعلان "الحرب" بين الولايات المتحدة وأوروبا قد حدث فعليًا في قمة ميونخ الأمنية التي عُقدت يوم 14 فبراير/ شباط. ففي ذلك اليوم، بينما كانت أوروبا تحتفل بعيد الحب، جاء نائب الرئيس الأميركي الجديد، جي دي فانس، بخطاب حاد وعنيف إلى حد أنه أفسد الرومانسية في هذا اليوم.

الدبلوماسيون والساسة الذين استمعوا إلى كلمته بدؤُوا يتساءلون: هل يمكن أن تكون الولايات المتحدة لم تعد صديقًا لأوروبا، بل ربما أصبحت عدوًا لها؟ لقد كان الوضع سيئًا إلى هذا الحد.

جدعون راشمان، كبير محرري الشؤون الخارجية في صحيفة فايننشال تايمز، تحدث مع دبلوماسيين وسياسيين حضروا الاجتماع، ونقل عنهم هذه المخاوف، بل واستعار عنوان مقاله من كلماتهم. لم تكن فايننشال تايمز وحدها من وجهت انتقادات لاذعة للولايات المتحدة، بل انضمت إليها صحف كبرى مثل الإيكونوميست والغارديان، بالإضافة إلى قنوات إعلامية مثل بي بي سي، التي أجرت تحقيقًا حول كيفية تمكن أوروبا من حماية نفسها دون الاعتماد على الولايات المتحدة.

بعبارة أخرى، فإن التصريحات المتعالية لترامب ونائبه فانس ورجل الأعمال إيلون ماسك قد أثارت غضب الساسة والدبلوماسيين والمثقفين الأوروبيين إلى حدٍ غير مسبوق.

أوروبا بلا الولايات المتحدة، مكشوفة وعاجزة

لطالما كانت أوروبا تعيش في حالة من الاسترخاء والطمأنينة، مشغولة بنقاشات مطوّلة حول "فضائل" زواج المثليين، ومصير أسماك السلمون في بحار الشمال، والنظام الغذائي النباتي، وأسبوع الموضة في ميلانو. لكن بعد أن تلقت صفعة مدوية من حليفها القديم في قمة ميونخ، يبدو أنها استيقظت فجأة.

حتى إن الساسة الأوروبيين، الذين اعتادوا إلقاء الخطب حول ضرورة طرد المهاجرين من القارة، والدفاع عن حرق المصحف باسم "حرية الفكر"، والتنظير حول حقوق الأقليات في دول أخرى، وجدوا أنفسهم الآن أمام سؤال أكثر إلحاحًا: "ماذا سنفعل بدون الولايات المتحدة؟"

إجابة هذا السؤال جاءت من أحد وزراء الخارجية الأوروبيين، خلال حديثه مع فايننشال تايمز، حيث قال بصراحة: "بدون الولايات المتحدة، نحن عاجزون حتى عن تنفيذ أبسط المهام الأمنية".

فبعد سنوات من الاتكال الكامل على الحماية الأميركية، بدأ الأوروبيون يدركون أن جيوشهم لم تعد أكثر من شرطة مرور، وأنهم عمليًا لا يملكون قوة عسكرية حقيقية لحماية أنفسهم.

أما واشنطن، التي يقودها رئيس ينظر إلى كل شيء بمنطق الربح والخسارة، فقد قررت إنهاء هذا "العصر الذهبي" المجاني لأوروبا، إذ قال الأميركيون بوضوح: "لقد أنفقنا مليارات الدولارات على حمايتكم من خلال الناتو والقواعد العسكرية، لكن هذا الوضع المريح انتهى الآن".

أما وزير الدفاع الأميركي، فقد زار بولندا ليؤكد الحقيقة المرة للأوروبيين: "لن نحميكم إلى الأبد. عليكم البدء في الاستثمار في الدفاع عن أنفسكم".

الأموال تتجه إلى الصناعات العسكرية

بمجرد أن أدركت دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرون أنها أصبحت عارية أمام المخاطر دون المظلة الأميركية، دخلت في حالة من الذعر، وكأنها تُركت وحيدة في غابة موحشة.

لطالما عرفوا أن أوروبا، باستثناء بريطانيا وفرنسا، لم تعد تملك جيوشًا قادرة على مواجهة أي "غزو روسي" محتمل، لكنهم لم يكترثوا لهذا الواقع.

كانت الحرب في أوكرانيا قد سرقت النوم من عيونهم بالفعل، لكنهم وجدوا طريقة لإبعاد الخطر عنهم: "سندفع المال، وأنتم تموتون في المعركة"، هكذا أقنعوا الأوكرانيين بأن يقاتلوا بالنيابة عنهم.

الاقتصاد الأقوى في أوروبا، ألمانيا، دخل في حالة ركود العام الماضي جزئيًا؛ بسبب تكاليف تمويل رواتب الجنود الأوكرانيين. وإذا كانت ألمانيا لم تعد قادرة على دفع المزيد، فماذا عن بقية الدول الأوروبية؟

لكن المشكلة أن الأموال لم تعد تكفي، إذ بات واضحًا أنه بدون الأسلحة الأميركية، لا يمكن لأوكرانيا أن تفعل شيئًا.

ولا تصدقوا عروض بريطانيا بإرسال قوات إلى أوكرانيا، فالأوروبيون الذين يبدؤون صباحهم بتناول الكرواسان مع الكابتشينو في باريس أو لندن، لن يتركوا هذا النعيم من أجل الذهاب للموت في سهول أوكرانيا. لذلك، ربما حان الوقت ليودّعوا كييف.

أوروبا بلا قيادة أو تأثير

بينما كان الشرق الأوسط يشتعل بالحروب والصراعات، لم تكن أوروبا تهتم إلا بشيء واحد: كيف تمنع تدفق المهاجرين؟ والطريقة التي وجدوها لم تكن سوى إغراق قوارب اللاجئين في مياه المتوسط، حيث تسببت إيطاليا واليونان ومالطا في موت الآلاف، دون أن يثير ذلك أي ضجة داخل القارة.

بدلًا من مواجهة صعود اليمين المتطرف، اعتقد الساسة الأوروبيون أن تبني سياسات معادية للمهاجرين، سيضمن لهم البقاء في السلطة. لكنهم فشلوا في الحفاظ على وحدة الاتحاد الأوروبي، الذي يقترب من التفكك.

وفي الوقت نفسه، فقدت أوروبا وزنها كقوة عسكرية أو اقتصادية قادرة على تحقيق توازن في العالم.

إستراتيجيتها في إدارة الأزمات الدولية ظلت كما هي: "ليحدث الدمار، ثم تتدخل الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا، وبعد ذلك نشارك في إعادة إعمار الدول المنكوبة ونجني الأرباح".

ومنذ رحيل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، لم تُفرز أوروبا أي زعيم سياسي حقيقي. والآن، لا تبدو أوروبا فقط بلا قيادة، بل أيضًا بلا حماية.

هل يمكن لتركيا إنقاذ أوروبا؟

لأكثر من 50 عامًا، أبقت أوروبا تركيا على أبواب الاتحاد الأوروبي، رغم استيفائها جميع الشروط المطلوبة. لكن اليوم، هناك من بدأ يندم على ذلك.

تركيا، التي تمتلك الاقتصادَ الحادي عشر عالميًا، والرابع أوروبيًا، وأحدَ أقوى 10 جيوش في العالم، وتعدادًا سكانيًا يبلغ 85 مليون نسمة مع نسبة عالية من الشباب الموهوبين، كان بإمكانها أن تكون عنصرًا حيويًا في إعادة إحياء أوروبا.

الآن، بدأ الساسة والمثقفون الأوروبيون يدركون هذا الأمر، لكن هل يمكنهم فتح أبواب الاتحاد أمام تركيا، بينما لا تزال القارة غارقة في الإسلاموفوبيا والعنصرية القومية ومعاداة الأجانب؟ لست متأكدًا من ذلك.

أما في تركيا، فقد أظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية الشعب لم تعد مهتمة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فقد قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تصريح حديث: "يمكن لتركيا، بعضويتها الكاملة، أن تنقذ الاتحاد الأوروبي من أزماته، سواء في الاقتصاد أو الدفاع أو السياسة أو المكانة الدولية".

على مدار مسيرتي الصحفية، لم أكتب سابقًا عن الصراع بين أوروبا والولايات المتحدة، لكنني اكتشفت أنه موضوع ممتع ومريح للغاية!

لماذا يجب علينا دائمًا أن نتحدث عن مشاكلنا نحن فقط؟!

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!