
حسناء جوخدار - ترك برس
في مدينةٍ تتنفس الفن كما تتنفس التاريخ، تأخذك إسطنبول في رحلة استثنائية عبر ما يُعرف بـ“طريق بيوغلو الثقافي”، حيث لا يكون المشي مجرد تنقل بين الأماكن، بل عبوراً بين طبقات من الذاكرة الثقافية والهوية الفنية. هنا، تتجاور العمارة العثمانية مع الإبداع المعاصر، وتتحول الشوارع إلى مسار مفتوح للفن، يبدأ من ضفاف البحر وينتهي في قلب المدينة النابض بالحياة.
يمتد مهرجان طريق بيوغلو الثقافي، الذي يهدف إلى جعل إسطنبول مركز جذب سياحي عالمي، من غلطة بورت الحيوي إلى ميدان تقسيم، في مسار يجمع بين الحداثة والتاريخ. وقد جرى إعداد هذا الطريق بعناية من قبل وزارة الثقافة والسياحة ليكون منصة دائمة تستضيف الفعاليات الثقافية والفنية، ليس فقط في إسطنبول، بل على مستوى تركيا.
يمر هذا الطريق عبر محطات ثقافية متعددة تُلهم الزائرين الشغوفين بالفن، من مراكز ثقافية وصروح معمارية إلى متاحف ومسارح، وصولاً إلى درة هذا المسار: مركز أتاتورك الثقافي، الذي يمثل القلب النابض للمشهد الثقافي الحديث.
جولة ثقافية عبر ذاكرة المدينة
يشكّل طريق بيوغلو الثقافي تكريماً لهوية إسطنبول، حيث يربط بين أبرز معالمها الثقافية مثل برج غلطة، ومتحف غلطة مولفيهانيسي، ومراكز الفنون المختلفة، ليعيد إحياء بيوغلو ويمنحها بريقها التاريخي من جديد.
نبدأ رحلتنا من مركز أتاتورك الثقافي، الذي أعيد افتتاحه في 29 أكتوبر 2021، محتفظاً بروحه المعمارية الأصلية مع تحديثات عصرية. يضم المركز قاعات للأوبرا والمسرح ومساحات عرض حديثة، ويستقطب فنانين من تركيا والعالم، ليصبح منصة للإبداع المحلي والدولي.
وبينما نواصل السير، نصل إلى مسجد تقسيم، الذي يجمع بين البعد الروحي والحضور المعماري الحديث، قبل أن ننغمس في صخب شارع الاستقلال، الشريان الثقافي الأكثر حيوية في المدينة.
على هذا الشارع، يبرز معهد بيوغلو رفيعة أويج للنضج كمؤسسة رائدة في الحفاظ على الحرف والفنون التركية. وقد لعب دوراً مهماً في نقل التراث الثقافي إلى العالم، من خلال أعمال مميزة مثل تصميم هدايا رسمية تاريخية، وعروض أزياء شكلت جزءاً من ذاكرة إسطنبول الثقافية.
محطات الفن والعمارة
في قلب بيوغلو، نجد مجمع “غراند بيرا” الذي يضم مباني تاريخية مثل Cercle d'Orient وEmek Cinema، والتي تحولت إلى مركز ثقافي حديث يجمع بين الفن والترفيه. هذه المباني تمثل مزيجاً فريداً من الطراز الكلاسيكي والباروكي، ما يجعلها شاهداً على التحولات المعمارية في المدينة.
وبالقرب منها، يقع متحف إسطنبول للسينما داخل ممر أطلس، حيث يلتقي الماضي السينمائي بالتقنيات الرقمية الحديثة، ليقدم تجربة تفاعلية تُجسد تاريخ السينما التركية.
ومن بين المحطات المؤثرة، يأتي منزل محمد عاكف إرسوي التذكاري، الذي يحفظ إرث شاعر النشيد الوطني التركي، مقدماً تجربة ثقافية تجمع بين التاريخ والعرض المعاصر.
كما يبرز متحف إسطنبول للرسم والنحت كأحد أهم المؤسسات الفنية، حيث يضم آلاف الأعمال التي توثق تطور الفن التركي منذ العهد العثماني حتى اليوم.
أما التأثير الأوروبي، فيتجلى في مبنى غاريبالدي التاريخي، الذي يعكس الحضور الإيطالي في بيوغلو، ويجسد التعدد الثقافي الذي لطالما ميز إسطنبول.
من الدراويش إلى برج غلطة
مع التقدم في الرحلة، يصل الزائر إلى متحف غلطة مولفي لودج، حيث تُروى حكاية الدراويش وثقافتهم الروحية، من خلال عروض ومقتنيات فنية أصيلة.
ثم تقودنا الأزقة المتعرجة إلى برج غلطة، أحد أبرز رموز المدينة، حيث يمنح الصعود إليه إطلالة بانورامية آسرة تختزل جمال إسطنبول وتنوعها.
الختام عند الواجهة البحرية
تنتهي الرحلة عند غلطة بورت، المشروع الذي أعاد إحياء الواجهة البحرية للمدينة، محولاً الميناء التاريخي إلى مركز عالمي للفن والثقافة. هنا، تتجاور المساحات المفتوحة مع المتاحف الحديثة، مثل متحف إسطنبول للفن الحديث، لتشكل بيئة نابضة بالحياة تجمع بين الإبداع والعمل والترفيه.
وفي قلب هذه المنطقة، يقف برج ساعة توبهان، الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، شاهداً على الزمن، ومعبّراً عن التقاء الماضي بالحاضر في مشهد حضري فريد.
رحلة تتجاوز المكان
طريق بيوغلو الثقافي ليس مجرد مسار سياحي، بل تجربة متكاملة تعكس روح إسطنبول. إنه رحلة عبر التاريخ والفن والعمارة، حيث تصبح كل خطوة حكاية، وكل محطة نافذة على عالم من الإبداع. هنا، لا تكون الوجهة هي الهدف فقط، بل الرحلة نفسها هي المعنى.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!








