كرم ألكين - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس

لم تعد حرب إيران عاملًا محددًا فقط لمنطقة الشرق الأوسط والخليج، بل أصبحت أيضًا أحد العناصر الحاسمة في توازنات السياسة الداخلية في الولايات المتحدة. فالنقاشات الدائرة في واشنطن تجاوزت حدود الخلاف التقليدي في السياسة الخارجية، لتشير إلى صدع عميق يتسع داخل اليمين الأمريكي نفسه. إن سياسة "الحروب اللانهائية" التي تنتهجها الولايات المتحدة باتت موضع تساؤل جدي داخل القاعدة الجمهورية. أما فتح جبهة جديدة مثل إيران، فيُنظر إليه اليوم بشكل واضح على أنه يتعارض مع روح نهج "أمريكا أولًا"، بل يُعد نوعًا من الخيانة. وهذا التوجه لم يعد مجرد اعتراض هامشي، بل أصبح صوت تيار متصاعد القوة داخل القاعدة الشعبية للحزب الجمهوري.

كما أن الادعاء بأن قرارات السياسة الخارجية في واشنطن تُدار من قبل دائرة "نخبوية" منفصلة تمامًا عن آراء وتوقعات الناخبين (مزيج من الصهيونية، والإنجيلية، والعولمية) يُطرح بصوت أعلى يومًا بعد يوم. ويكشف هذا الوضع عن التوترات التي ظلت مكبوتة داخل الحزب الجمهوري لفترة طويلة. ولم تعد السياسة الخارجية في اليمين الأمريكي مجالًا للوحدة، بل أصبحت خط انقسام واضح. ويعتقد قطاع مهم من القاعدة الجمهورية أن البلاد تُساق نحو حروب جديدة ومكلفة.

أما الرئيس ترامب، فيقف في قلب هذا الصدع. فقد بنى صعوده السياسي على وعد "إنهاء الحروب اللانهائية" وإبعاد الجنود الأمريكيين عن الصراعات غير الضرورية، لكنه اليوم يواجه اختبارًا جديًا لصدقيته مع حرب إيران. فخطابه القوي الذي أكد أن "حتى قطرة دم واحدة من جندي أمريكي لن تُراق"، أصبح أكثر هشاشة في ظل التطورات الميدانية، مع عودة جثامين الجنود على متن الطائرات في مراسم رسمية.

إن التناقض الذي يعيشه ترامب ليس شخصيًا بل بنيويًا. فهو يحاول في الوقت ذاته قيادة ائتلاف اجتماعي مناهض للحرب، وجهاز دولة يمتلك جذورًا تمتد إلى 50–60 عامًا، مشبعًا عبر الزمن بنزعات تدخلية نيوليبرالية (نيوكون) ممزوجة بفكر إنجيلي وصهيوني. ذلك أن عملية تطهير البيروقراطيين والسياسيين الإنجيليين المتطرفين والمؤيدين لإسرائيل، الذين طالبت حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" بإبعادهم عن واشنطن في ظل فضيحة إبستين ووثائقها، لم تتحقق بالمستوى المتوقع. ولهذا، يواصل ممثلو هذه الذهنية المنحرفة والخطيرة، التي تبرر قتل من لا ينتمون إليها، تسميم السياسة الخارجية الأمريكية.

بين خطاب النصر السريع والتكلفة المنخفضة في حرب إيران، وبين هتافات "المضي حتى النهاية"... يكمن توتر عميق بين هاتين اللغتين، وهو ليس مجرد مشكلة تواصل، بل مؤشر على مأزق استراتيجي حقيقي. وستظهر الكلفة السياسية لهذا المأزق بوضوح في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر. فقد يتسامح الناخب الأمريكي مع عمليات عسكرية سريعة وحاسمة، لكنه يُبدي رد فعل سلبيًا قويًا تجاه الحروب الطويلة والمكلفة وغير الواضحة النتائج. وإذا انزلقت حرب إيران إلى هذه الفئة الثانية، فإن احتمال تعرض الجمهوريين لصدمة انتخابية كبيرة يبدو واردًا في الأفق.

وفوق ذلك، لا تقتصر المسألة على السياسة الداخلية فقط. فهذه الاضطرابات السياسية المتفاقمة في الولايات المتحدة تؤثر بشكل مباشر في مستقبل التحالف الأطلسي والتوازنات الجيوسياسية العالمية. فقد باتت العواصم الأوروبية مضطرة اليوم لأخذ عدم القدرة على التنبؤ بآليات صنع القرار في واشنطن بعين الاعتبار، وليس فقط روسيا. يومٌ يعد بإنهاء الحرب سريعًا، ويومٌ آخر يؤكد الاستمرار فيها حتى النهاية... هذا الخطاب الاستراتيجي المتقلب يُضعف ثقة الحلفاء في الولايات المتحدة. والأهم من ذلك، أن هذه الضبابية تُنتج هشاشة كبيرة في النظام العالمي. فمن أسعار الطاقة إلى سلاسل التوريد، ومن الأسواق المالية إلى الإنفاق الدفاعي، يرتفع مستوى المخاطر في نطاق واسع. كما أن عجز الولايات المتحدة عن إدارة توازناتها الداخلية يجعل قدرتها على أداء دور القوة الحاملة للنظام العالمي موضع تساؤل.

إن الأزمة السياسية الداخلية العميقة التي تشهدها واشنطن اليوم تتجاوز بكثير مجرد نقاش حول خيارات السياسة الخارجية، فهي في جوهرها صراع لإعادة تعريف هوية اليمين الأمريكي. وقد تحولت حرب إيران إلى محفز رئيسي لهذا الصراع. وإذا ما تعمّق هذا التوتر الداخلي، فقد تتحول الولايات المتحدة إلى قوة تفقد اتجاهها الاستراتيجي، ليس فقط على الساحة الخارجية بل داخلها أيضًا. وربما يكون السؤال الأهم في القرن الحادي والعشرين هو: هل مصدر عدم اليقين العالمي هو القوى الصاعدة، أم الولايات المتحدة التي تبحث عن اتجاهها في الداخل؟

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس