
حسناء جوخدار - ترك برس
تتربع "الأمانات المقدسة" في الفناء الثالث لقصر طوب قابي العريق، وتحديداً في جانبه الشمالي الشرقي المطل على ميدان "إندرون"، حيث تتجلى هناك أسمى معاني الروحانية الإسلامية في مبنى لم يكن مجرد جناح ملكي، بل غدا حصناً لأغلى ما يملكه المسلمون من إرث نبوي.
تبدأ حكاية هذا المكان المهيب من عام 1517م، حينما دخل السلطان سليم الأول (الملقب بـ ياووز أو الشجاع) ديار مصر والحجاز فاتحاً، ليتسلم هناك مفاتيح الحرمين الشريفين ويعلن انتقال الخلافة والسيادة الروحية إلى آل عثمان.
ومنذ تلك اللحظة التاريخية، نُقلت الكنوز النبوية وآثار الصحابة إلى إسطنبول، لتبدأ رحلة حفظها التي استمرت لقرون، حيث استقرت في "الغرف الخاصة" (Has Oda) التي شيدها في الأصل السلطان محمد الفاتح، قبل أن تُخصص بالكامل في عهد السلطان محمود الثاني لتكون متحفاً إيمانياً ومزاراً يضم أكبر مجموعة من المقدسات في العالم.
وعند ولوج الزائر إلى هذا القسم، تستقبله هيبة العمارة العثمانية التي تعكس تقديس السلاطين لهذه الآثار؛ فبينما تتزين الجدران ببلاط "إزنيق" الأزرق الفاخر ونقوش الآيات القرآنية، يجد الزائر نفسه أمام تاريخ حي يمتد من عصر الأنبياء، حيث تُعرض عصا موسى عليه السلام جنباً إلى جنب مع سيوف الخلفاء الراشدين الأربعة، وأقدم النسخ المصحفية المخطوطة على جلد الغزال.
وما إن يتقدم الزائر نحو المدخل المقنطر الذي يحمل "كلمة التوحيد" بخط السلطان أحمد الثالث، حتى يدرك أنه في حضرة أقدس أركان الجناح، حيث تزدان الجدران في الأعلى بأبيات "قصيدة البردة" للإمام البوصيري، المكتوبة بخط الثلث البديع على حزام يطوق الغرفة تحت قبتها الشاهقة التي تخترقها اثنتا عشرة نافذة، وكأنها تفيض بالنور على المكان.
وفي زاوية مفعمة بالخشوع، تقع "غرفة محمد"، وهي القلب النابض لهذا الجناح، حيث تقف مقصورة الإمام التي لم ينقطع منها صوت تلاوة القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار منذ قرابة 500 عام؛ وهو تقليد روحي سنّه السلطان سليم الأول فور وصول الأمانات تعبيراً عن التبجيل والخدمة المستمرة.
وفي هذه الأجواء الإيمانية، تتوزع المعروضات التي تلامس الوجدان، من شعرات لحيته الشريفة ﷺ وأجزاء من أسنانه، إلى بصمة قدمه المنطبعة في الحجر، وصولاً إلى الرسائل الموجهة للملوك والأباطرة.
كما يضم المعرض قطعاً تاريخية من الكعبة المشرفة، كالمزاريب الذهبية والمفاتيح القديمة، والقماش الذهبي الذي كان يكسو الحجر الأسود، والذي يُستبدل سنوياً بكسوة جديدة تُحضر بإتقان ملكي لتعلق القديمة هنا كذكرى من أطهر بقع الأرض.
أما العنصر الأكثر قدسية وإجلالاً في هذه المجموعة، فهو "البردة الشريفة" أو العباءة النبوية، التي تُحفظ داخل تابوت ذهبي وراء أبواب مغلقة في "الغرفة الخاصة"، وهي القطعة التي يلتف حولها تاريخ الخلافة بأكمله.
وبينما يتزاحم الزوار المخلصون أمام فترينات العرض، محاولين استشفاف روح النبوة عبر "بصمات القدم" أو "تربة القبر الشريف"، يظل هذا الجناح، بتفاصيله المعمارية التي رُممت وطُورت عبر العصور، شاهداً حياً على حقبة كانت فيها إسطنبول ليست فقط عاصمة للسياسة، بل مستودعاً للأمانات ومركزاً لإشعاع الروحانية المحمدية التي لم تنطفئ شعلتها في هذا المكان منذ عهد السلاطين الأوائل.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!









