عبدالله مراد أوغلو - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

إذا لاحظتم، فإن حروب الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران تحولت إلى «حرب سرديات» أو «حرب إدراكية». لا يوجد انتصار استراتيجي على الأرض، لكن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب يواصل القول إنه حقق نصراً كبيراً. بل إنه يقول إن هذا النصر الكبير نفسه غير كافٍ، وإنه يريد المزيد. ويبدو أن هذا السلوك من ترامب مرتبط أكثر بالسياسة الداخلية.

تدور بين الولايات المتحدة وإيران لعبة شدّ حبل. إنها سباق «من يتحمّل الألم أكثر». من الذي سيتراجع أولاً؟ ومن الذي سيطرف بعينه أولاً؟ ترامب ينتظر أن تتراجع إيران. أما إيران فتختبر صمود الولايات المتحدة عبر إغلاق مضيق هرمز كرافعة استراتيجية.

إن للآثار الجانبية الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز انعكاسات لا تخص الولايات المتحدة وحدها، بل العالم بأسره. ولا أتحدث هنا حتى عن حجم الضرر الذي قد ينجم إذا قامت القوات الحوثية في اليمن بإغلاق باب المندب وما قد ينتج عن تضافر هذه الآثار.

الوضع الحالي يشير إلى أن النتائج التي حصلت عليها الولايات المتحدة انحرفت عن النتائج التي كانت تأملها. فبينما حققت الولايات المتحدة بعض النجاحات العسكرية التكتيكية على أساس توقع الاستسلام السهل، فإنها خسرت استراتيجياً. وكمن يجدف في مستنقع، لا تستطيع الولايات المتحدة التقدم إلى الأمام ولا العودة إلى الخلف.

قال أحد كبار منظّري الاستراتيجية العسكرية كارل فون كلاوزفيتز: «لا تخطوا الخطوة الأولى دون أن تفكروا في الخطوة الأخيرة». يبدو أن ترامب قد توهم أن الخطوة الأولى وحدها كافية لتحقيق النصر. لكن الحرب، منذ لحظة بدايتها، تكتسب وجهاً آخر. هذا الوجه يتغير باستمرار. وكما في الأسطورة الإغريقية القديمة عن «بروتيوس»، فإنه كلما حاولت الإمساك به يتحول إلى شيء آخر ويهرب من بين يديك.

في الواقع، يعيد ترامب إنتاج أوجه الضعف التي أظهرها الرؤساء الأمريكيون في حروب الولايات المتحدة في فيتنام وأفغانستان والعراق وليبيا وغيرها. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لعبت أدواراً مدمرة في هذه الحروب، إلا أنها لم تحقق النتائج السياسية التي طرحتها. وقد تجنبت هذه الإدارات الاعتراف بالخسائر واستمرت في التصعيد، مما أدى إلى خسائر أكبر. كما أن المفاوضات مع الأطراف المقاتلة كانت دائماً تحمل بصمة «الوهم الأمريكي بالنصر الصفري الحاسم». ويبدو أن ترامب وقع في الوهم نفسه.

هناك مقولة تقول: «الأمريكيون يفعلون الشيء الصحيح، ولكن بعد أن يستنفدوا كل الخيارات السيئة». وقد قامت الإدارات السابقة أيضاً بالشيء الصحيح بعد استنفاد كل الخيارات السيئة، أي عندما لم يبقَ أمامها خيار آخر. وهذا ما حدث في فيتنام والعراق وأفغانستان.

الحرب ليست شيئاً يمكن وصفه بأنه «إما كل شيء أو لا شيء». فالحروب التي لا تستند إلى أهداف سياسية وعسكرية واقعية يمكن أن تتحول إلى مستنقع لمن بدأها. كما أن الاعتقاد الخطير بإمكانية تحقيق نصر حاسم عبر الإنجازات العسكرية فقط يخلّف أضراراً بشرية لا يمكن تعويضها.

كان أحد العوامل التي ساهمت في فوز باراك أوباما في انتخابات 2008 هو وعده بإنهاء حرب العراق. كان الرأي العام الأمريكي يريد انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وقد جعل أوباما هذا المطلب أحد محاور حملته الانتخابية.

ترامب ليس غبياً، وهو يدرك أن الرأي العام الأمريكي يريد إنهاء هذه الحرب التي بدأت لصالح إسرائيل. لكنه في الوقت نفسه لا يمتلك شخصية قادرة على قبول فكرة التراجع. وعلى الرغم من وجود مؤشرات مقنعة على أن الاستراتيجية المتبعة في الحرب مع إيران لا تنجح، فإنه يفضل المجازفة. كما أن الأحكام المسبقة حول القوة الأمريكية تشجع على هذا المقامرة.

من جهة أخرى، فإن ترامب يتعرض لضغوط من اللوبي الإسرائيلي والدوائر المرتبطة به. ولا ينبغي نسيان أنه محاط أيضاً بصقور يرون ضرورة استمرار الحرب طالما أن تكاليفها قابلة للتحمل. أما تصريحات ترامب بأن كلفة الحرب على الأمريكيين قابلة للتحمل وأن إيران تكاد تكون منهارة، فهي ليست سوى خطاب دعائي.

لا يزال النقاش مستمراً حول الأضرار السياسية الناتجة عن بطء الولايات المتحدة في التخلي عن استراتيجيات خاسرة في حروبها السابقة. ويرى خبراء السياسة الخارجية الواقعية أن الدولة في حالة حرب تعتمد الاستراتيجيات ذات احتمالية النجاح الأعلى، وتستفيد من الصراعات عندما تكون المنافع أكبر من التكاليف. أما في الحالة المعاكسة، فيجب على الدول أن تتخلى بسرعة عن الاستراتيجية الخاسرة.

إن «افتراض النصر الحاسم الصفري» جزء من الثقافة العسكرية الأمريكية. وهذا الافتراض المبني على التحيز يترافق مع إيمان أعمى بأن الولايات المتحدة قادرة على حل أي مشكلة في أي مكان في العالم. وهو ما يدفعها إلى التدخل في صراعات لا يمكنها الفوز بها، أو إلى تبني استراتيجيات ضعيفة فرص النجاح. وكما يظهر في الحالة الإيرانية، فإن الولايات المتحدة لا تزال تتعلم الخيار الصحيح بالطريقة الصعبة.

 

عن الكاتب

عبد الله مراد أوغلو

كاتب في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس