ترك برس

على امتداد الساحل الجنوبي لتركيا، حيث تلتقي غابات الصنوبر بمياه البحر الأبيض المتوسط الصافية، تقف مدينة فاسيليس (Phaselis) الأثرية شاهدة على أكثر من ألفي عام من التاريخ البحري والتجاري. 

وتمثل المدينة، الواقعة في ولاية أنطاليا، واحدة من أبرز الموانئ القديمة في المنطقة، إذ شكل موقعها الاستراتيجي على شبه جزيرة صغيرة نقطة التقاء بين حضارتي ليكيا وبامفيليا، ومركزًا تجاريًا مهمًا تعاقبت عليه إمبراطوريات وقوى إقليمية كبرى، من الفرس والإغريق إلى الرومان والبيزنطيين.

ووفق معطيات وزارة الثقافة والسياحة التركية، تحافظ فاسيليس حتى اليوم على مكانتها كواحدة من أهم المواقع الأثرية في تركيا، بما تضمه من شوارع مرصوفة ومسارح وحمامات وأقنية مائية ومرافئ تاريخية، في مشهد يعكس ازدهار المدينة عبر العصور. 

كما أدرجت ضمن ملف "مدن الحضارة الليكية القديمة (أنطاليا وموغلا)" على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 2009.

مدينة أسسها مستوطنون من رودس

تعود أصول فاسيليس إلى القرن السابع قبل الميلاد، عندما أسسها مستوطنون قدموا من جزيرة رودس اليونانية على شبه جزيرة تمتد داخل مياه البحر المتوسط.

وتروي الأسطورة المرتبطة بتأسيس المدينة أن المستوطنين عرضوا على سكان المنطقة الذرة أو السمك المجفف، إلا أن السكان فضلوا الحصول على السمك، في قصة أصبحت جزءًا من الروايات الشعبية التي ارتبطت بتاريخ نشأة المدينة.

وكان الموقع الجغرافي لفاسيليس أحد أهم أسباب ازدهارها، إذ امتلكت ثلاثة موانئ طبيعية؛ أحدها في شمال شبه الجزيرة، والثاني في شمالها الشرقي، والثالث على الساحل الجنوبي الغربي، وهو ما منحها مكانة بارزة كميناء تجاري على طرق الملاحة البحرية في شرق المتوسط.

وتؤكد الرسوم التي تصور السفن على العملات التي سكّت في المدينة، إلى جانب الموانئ والأسواق التجارية (الأغورا)، الطابع التجاري الذي ميز فاسيليس طوال تاريخها.

بين ليكيا وبامفيليا

غالبًا ما تنسب فاسيليس إلى إقليم ليكيا أو إلى بامفيليا، غير أن موقعها الفعلي يقع بين حدود الإقليمين، الأمر الذي منحها خصوصية جغرافية وثقافية.

وشهدت المدينة خلال القرن الخامس قبل الميلاد خضوعها للحكم الفارسي، ثم انتقلت في القرن الرابع قبل الميلاد إلى سلطة ساتراب كاريا الشهير ماوسولوس، قبل أن تخضع لاحقًا لسيطرة الملك بريكليس، حاكم مدينة ليميرا المجاورة.

ومن أبرز المحطات في تاريخها استقبال سكان فاسيليس للقائد المقدوني الإسكندر الأكبر عام 333 قبل الميلاد بتاج ذهبي، في حدث يعد من أشهر الوقائع التاريخية التي شهدتها المدينة.

وبعد وفاة الإسكندر، تنقلت المدينة بين عدة قوى حاكمة، قبل أن تنضم عام 167 قبل الميلاد إلى اتحاد ليكيا، حيث بدأت بسك عملات الاتحاد.

ازدهار روماني طويل

تعرضت فاسيليس، شأنها شأن مدينة أوليمبوس المجاورة، لهجمات القراصنة لفترة من الزمن، قبل أن تدخل تحت الحكم الروماني عام 43 قبل الميلاد، وهو ما شكل بداية مرحلة جديدة من إعادة الإعمار والازدهار استمرت نحو ثلاثة قرون.

وفي عام 129 ميلاديًا زار الإمبراطور الروماني هادريان المدينة، وشُيد تخليدًا لهذه الزيارة قوس تذكاري أحادي الفتحة عند مدخل الشارع الرئيسي القادم من الميناء الجنوبي، ولا تزال بقاياه قائمة حتى اليوم.

من العصر البيزنطي إلى الهجر

دخلت فاسيليس مرحلة الحكم البيزنطي خلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين، وكانت من المدن التي شاركت في مجمع خلقيدونية (قادقوي) عام 451 ميلاديًا.

وبعد الغارات العربية التي شهدتها المنطقة في القرن السابع، استعادت المدينة جزءًا من ازدهارها خلال القرن الثامن.

غير أن مكانتها أخذت بالتراجع عقب الحصار السلجوقي عام 1158، إضافة إلى الأضرار التي خلفتها الزلازل وفقدان الميناء لوظيفته البحرية، حتى هُجرت المدينة بصورة نهائية منذ بدايات القرن الثالث عشر.

آثار تحكي قصة مدينة مزدهرة

تنتمي معظم الآثار الباقية في فاسيليس إلى العصرين الروماني والبيزنطي، وتنتظم على جانبي الشارع الرئيسي الذي كان يربط بين الميناءين الشمالي والجنوبي.

ويتسع هذا الشارع بين السوق والمسرح ليشكل ساحة صغيرة، فيما تؤدي درجات حجرية في الزاوية الجنوبية الشرقية إلى المسرح والأكروبول (المدينة العليا).

ويعد مسرح فاسيليس نموذجًا للمسارح الهلنستية صغيرة الحجم، وقد أضيف إليه مبنى للمسرح خلال العصر الروماني، بينما استُخدم جزء من جدار هذا المبنى في العصر البيزنطي المتأخر ضمن التحصينات الدفاعية للمدينة.

كما تظهر عند مدخل الموقع الأثري بقايا أسوار المدينة التي تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، إلى جانب أساسات يُعتقد أنها كانت لمعبد أو ضريح أثري، بينما تمتد منطقة المقابر على السفح الواقع خلف الميناء الشمالي.

القناطر المائية.. أبرز معالم المدينة

تعد القناطر المائية (الأكوادوكت) أكثر المنشآت الأثرية بروزًا في فاسيليس، إذ كانت تنقل المياه من نبع يقع على تل شمال المدينة.

وفي المراحل الأولى من تاريخها اعتمد السكان على الآبار والصهاريج لتأمين احتياجاتهم من المياه، لكن الرومان نجحوا في إنشاء شبكة هندسية متطورة لنقل المياه عبر القناطر من مسافات بعيدة، ثم توزيعها إلى مختلف أنحاء المدينة بواسطة الأنابيب الفخارية والقنوات.

الأسواق والحمامات ومعابد المدينة

تضم فاسيليس ثلاث ساحات تجارية (أغورا)، تقع إحداها مقابل المسرح، بينما تمتد الساحتان الأخريان على الجانب الأيمن من الطريق المؤدي إلى الميناء الجنوبي.

وتحتوي الأغورا المقابلة للمسرح على بقايا كنيسة صغيرة تعود إلى العصر البيزنطي، في حين يمثل الحمامان الكبيران في ساحة المدينة من أهم المنشآت العامة التي بقيت حتى اليوم.

ويقدم الحمام الصغير على وجه الخصوص معلومات مهمة حول نظام التدفئة المستخدم في الحمامات الرومانية القديمة.

ويذكر المؤرخون أن الإلهة الرئيسية للمدينة كانت أثينا، إلهة الحكمة والحرب في الميثولوجيا اليونانية، ويُعتقد أن معبدها، الذي لم يُكتشف حتى الآن، إضافة إلى عدد من المباني المهمة الأخرى، يقع على قمة الأكروبول التي تغطيها الغابات في الوقت الحاضر.

وتؤكد هذه الشواهد الأثرية المكانة التاريخية لفاسيليس باعتبارها واحدة من أبرز مدن الساحل المتوسطي القديم، حيث جمعت بين النشاط التجاري والازدهار العمراني والتنوع الحضاري عبر قرون طويلة، لتبقى اليوم من أهم الوجهات الثقافية والأثرية في ولاية أنطاليا، ومن أبرز المواقع المرشحة مستقبلاً للانضمام إلى قائمة التراث العالمي لليونسكو.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!