ترك برس

يرى الكاتب والمحلل التركي نبي مش أن استمرار حزب العدالة والتنمية في الحكم لمدة ربع قرن، وحفاظه على قدرته على جذب قطاعات واسعة من الناخبين، لا يمكن تفسيره فقط بالهوية أو الأيديولوجيا أو المصالح الاقتصادية، بل يرتبط أيضًا بما يسميه «سياسة الكفاءة» و«سمعة القدرة على الحكم».

ويقول مش، في مقال بصحيفة صباح - تناول فيه مسيرة الحزب بعد 25 عامًا على تأسيسه - إن العدالة والتنمية لا يزال يحافظ على «ديناميكيته» وقدرته على طرح أهداف جديدة أمام المجتمع، مشيرًا إلى أن الحزب استطاع حتى تحويل فعالية ذكرى تأسيسه إلى مناسبة سياسية حاشدة.

ويعتبر الكاتب أن بقاء الحزب في السلطة كل هذه المدة يستدعي تحليل تجربته بعيدًا عن القوالب الجاهزة، موضحًا أن اختزال التجربة في مفهوم «السلطوية التنافسية» لا يقدم تفسيرًا كافيًا لقدرته على إعادة إنتاج نفسه وفق ظروف كل مرحلة، والحفاظ على دعمه الشعبي وديناميكيته السياسية.

من الاقتصاد إلى الخدمات العامة

ويلفت مش إلى أن الناخب لا يتخذ قراره بناءً على الأيديولوجيا أو الهوية أو المصلحة الاقتصادية فقط، بل يقيّم الأحزاب أيضًا وفق قدرتها على إدارة البلاد وحل المشكلات والاستجابة للأزمات وتحقيق النتائج.

ويشير إلى أن حزب العدالة والتنمية، منذ وصوله إلى الحكم عام 2002، راكم خبرة سياسية وإدارية من خلال إنجازات في مجالات الاقتصاد والصحة والنقل والبنية التحتية والسياسة الاجتماعية والخدمات العامة.

وفي هذا السياق، شهدت تركيا خلال السنوات الأولى من حكم الحزب توسعًا كبيرًا في مشاريع الطرق السريعة والسكك الحديدية والمطارات والمستشفيات والإسكان والبنية التحتية، إلى جانب توسيع برامج المساعدات والخدمات الاجتماعية.

كما نفذت حكومات الحزب تحولًا واسعًا في قطاع الصحة، وسعت الوصول إلى المستشفيات وخدمات طب الأسرة والتأمين الصحي، فيما توسعت شبكة النقل والمواصلات، وأصبحت مشاريع البنية التحتية الكبرى جزءًا بارزًا من صورة الحزب عن التنمية.

ويرى الكاتب أن هذه الإنجازات لم تبقَ مجرد وعود انتخابية، بل تحولت بمرور الوقت إلى «كفاءات» في نظر الناخبين، وأرست ما يسميه «سمعة» الحزب في القدرة على تنفيذ ما يتعهد به.

«الكفاءة» تتجاوز الاقتصاد

ويشير مش إلى أن هذه السمعة لم تتشكل في المجال الاقتصادي والخدماتي وحده، بل تعززت لاحقًا في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب وصناعة الدفاع والسياسة الخارجية.

ويبرز الكاتب في هذا الإطار دور الرئيس رجب طيب أردوغان، معتبرًا أن قيادته في أوقات الأزمات، واستعداده لتحمل المخاطر السياسية، وقدرته على حشد إمكانات الدولة، كانت عوامل حاسمة في ترسيخ صورة الحزب بوصفه قادرًا على إدارة الأزمات وتحقيق النتائج.

ويقول إن النجاحات المتراكمة في مجالات مختلفة أسهمت في ترسيخ قناعة لدى قطاعات واسعة من الناخبين مفادها أن «حزب العدالة والتنمية يحكم، ويناضل، ويحقق النتائج».

وتزامن ذلك مع تحول تركيا إلى قوة أكثر حضورًا في الصناعات الدفاعية، مع نمو شركاتها المحلية وتوسع إنتاجها من الطائرات المسيّرة والأنظمة البرية والبحرية والإلكترونيات الدفاعية، الأمر الذي عزز بدوره حضور ملف الصناعات الدفاعية في خطاب الحزب السياسي.

إنهاء الوصاية العسكرية وتعزيز الحكم المدني

وعلى الصعيد السياسي، ارتبطت تجربة العدالة والتنمية أيضًا بسلسلة من التحولات في العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية.

فبعد عقود من تدخل الجيش بصورة مباشرة أو غير مباشرة في السياسة التركية، اتخذت حكومات الحزب خطوات لتقليص الدور السياسي للمؤسسة العسكرية وتعزيز سلطة المؤسسات المدنية المنتخبة. وتعمق هذا المسار بعد محاولة الانقلاب في يوليو/تموز 2016، ثم مع الانتقال إلى النظام الرئاسي عقب الاستفتاء الدستوري عام 2017.

كما شهدت فترة حكم الحزب محاولات لمعالجة عدد من القضايا المرتبطة بالهوية والحريات، وفي مقدمتها القيود التي كانت مفروضة على المحجبات، إلى جانب خطوات متعلقة بالقضية الكردية ومكونات اجتماعية مختلفة.

ويرى الكاتب أن هذه التحولات أسهمت في توسيع قاعدة الحزب الاجتماعية، وجعلته قادرًا على مخاطبة شرائح تتجاوز قاعدته المحافظة التقليدية.

من الإنجاز المتراكم إلى رأس مال سياسي

ويؤكد مش أن الناخب قد ينتقد الحكومة، لكنه لا ينتقل بالضرورة إلى المعارضة إذا لم يكن مقتنعًا بأنها تستطيع إدارة البلاد بصورة أفضل.

وبحسب هذا المنظور، فإن إحدى أهم نقاط قوة العدالة والتنمية تتمثل في أن خبرته الطويلة في الحكم تحولت إلى نوع من «رأس المال السياسي»؛ إذ بات الناخب يقارن بين الأحزاب ليس فقط على أساس ما تقوله، وإنما على أساس ما يعتقد أنها قادرة بالفعل على تنفيذه.

ويخلص الكاتب إلى أن استمرار حزب العدالة والتنمية، بعد 25 عامًا من تأسيسه، في تقديم نفسه بوصفه قادرًا على إدارة الدولة وحل المشكلات، رغم الكلفة السياسية والاقتصادية المترتبة على طول فترة الحكم، يرتبط بما راكمه من «سمعة القدرة على الحكم».

وبحسب مش، فإن هذه السمعة التي تشكلت من تجارب الحزب وإنجازاته السابقة تحولت إلى «رأسمال كفاءة» يمكن أن يستند إليه في المنافسة السياسية خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يفسر جانبًا مهمًا من قدرته على الحفاظ على حضوره السياسي ودعمه الانتخابي طوال ربع قرن.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!