
ترك برس
تناول مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، مسيرة حزب العدالة والتنمية في تركيا بمناسبة مرور 25 عامًا على تأسيسه، مستعرضًا أبرز التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال فترة حكمه.
يركز الكاتب في مقاله بصحيفة الشرق القطرية على دور الحزب في إنهاء الوصاية العسكرية وتعزيز الحكم المدني، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية والاجتماعية، إلى جانب سياسات المصالحة والتطبيع مع مختلف مكونات المجتمع، ولا سيما المتدينين والأكراد.
كما يستعرض تجربة الحزب الاقتصادية القائمة على توسيع دور القطاع الخاص، ودعم الإنتاج والتصدير، والاستثمار في البنية التحتية والخدمات والصحة والتعليم، مع التوقف عند التحديات التي واجهها الاقتصاد التركي في السنوات الأخيرة. وفيما يلي نص المقال:
يحتفل حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان هذا الأسبوع بمرور 25 عامًا على تأسيسه. وقد وصل الحزب إلى الحكم بعد عام واحد فقط من تأسيسه، ليحتل مكانة بارزة في التاريخ السياسي التركي الحديث. وجاء صعوده في ظل عجز النظام الكمالي العلماني الديكتاتوري عن تلبية تطلعات شرائح واسعة من المجتمع إلى الحرية والتنمية. وتمكن الحزب، بقيادة أردوغان الكاريزمية، من إحداث تحولات عميقة في بنية الدولة والحياة السياسية التركية. وكان من أبرزها إعادة صياغة علاقة الدولة بالمجتمع، كما حققت تركيا خلال هذه المرحلة نجاحات ملحوظة في مجالات الاقتصاد والخدمات والسياسة الخارجية. وبفضل هذه التحولات، تمثل التجربة التركية نموذجًا سياسيًا متفردا في العالم الإسلامي.
تتمثل إحدى أبرز ركائز نجاح حزب العدالة والتنمية في السياسة الداخلية في إنهاء الوصاية العسكرية وترسيخ سلطة الحكم المدني المنتخب، بعدما ظلت المؤسسة العسكرية لعقود تتدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة في الحياة السياسية وتفرض أولوياتها على الحكومات، بل وتلجأ إلى الانقلابات عند تعارض توجهات السلطة المدنية مع رؤيتها. وقد تعامل الحزب مع هذه المعضلة تدريجيًا؛ فركز في البداية على توسيع قاعدته الشعبية من خلال الخدمات العامة والتنمية بدل الدخول في مواجهة أيديولوجية مباشرة، كما عالج قضايا مثل الحجاب في إطار حقوق الإنسان والحريات العامة، لا باعتبارها مطالب دينية أو شرعية. وبعد محاولة الانقلاب عام 2016، تسارع مسار إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسستين المدنية والعسكرية، وتعزز خضوع الجيش للسلطة السياسية المنتخبة. كما انتقلت تركيا، بعد استفتاء 2017، من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، مؤديا إلى تقوية السلطة التنفيذية.
حزب العدالة والتنمية هو أصلا ائتلاف يستقطب قاعدة اجتماعية واسعة، بمن في ذلك المتدينون وبعض والعلمانيين والقوميين، والطبقة المتوسطة والدنيا في المناطق الريفية والحضرية.
إن وجوده في السلطة وحده أنهى ضعف الفترات السابقة بالحكومات الائتلافية المتغيرة. لقد تبنى نهجًا عمليًا وشعبيًا ضد المعارضة الأيديولوجية لحزب الشعب الجمهوري. وفي حين قام الاقتصاد بتوسيع الكعكة، فقد تبنى أسلوب الكسب-الكسب ضد البرجوازية القديمة بدلا من إقصائها. وبهذه الطريقة، وفقاً للبنك الدولي، ارتفع الدخل الحقيقي للفرد من 3600 دولار إلى 18600 دولار بين عامي 2002 و2025. كما وسع حجم الاقتصاد من 240 مليار دولار إلى ما يقرب من 1.60 تريليون دولار في نفس الفترة.
استند نجاح حزب العدالة والتنمية إلى منهجين رئيسيين: التطبيع والتحرر. فمن خلال سياسة التطبيع، عمل الحزب على مصالحة الدولة مع مختلف شرائح المجتمع، بما في ذلك الجماعات الدينية والمكونات العرقية، مثل الأكراد والعلويين، إضافة إلى المصالحة مع الهوية التاريخية ودول الجوار. وأسهم هذا النهج في تعزيز مكانة المواطن وثقته بالحكومة، ودعم السلم الاجتماعي والاستقرار الداخلي.
وبعد رفع الضغوط عن المتدينين، انتقل الحزب في المرحلة الأخيرة إلى معالجة القضية الكردية بالوسائل السلمية. ومن المتوقع أن تصل عملية «تركيا بلا إرهاب» أو «التضامن الوطني» إلى حل نهائي في ضوء القانون الذي صدر الأسبوع الماضي بدعم اجتماعي وبرلماني واسع.
يُعدّ منهج التحرر أحد المرتكزات الأساسية في تجربة التنمية، إذ لم تقتصر إنجازات الحكومة على تطوير الخدمات وتحسين الأداء الاقتصادي، بل قامت أيضًا بتحرير طاقات المجتمع وتوسيع مساحة المبادرة أمامه، بما خفف أعباء الدولة وساهم في تسريع النمو. فإلى جانب معالجة مشكلات البلديات والنقل والصحة والتعليم والإسكان والبنية التحتية، عززت الحكومة دور القطاع الخاص ومشاركته في الاقتصاد.
وأصبحت الشركات الصغيرة والمتوسطة اليوم من أهم محركات الاقتصاد التركي. كما خفف توسيع مشاركة القطاع الخاص في التعليم والصحة الأعباء عن الدولة، وخلق منافسة إيجابية بين المدارس الحكومية والخاصة مثلا. كذلك أسهم برنامج التحول الصحي في تسهيل وتوسيع الوصول إلى المستشفيات وطب الأسرة والتأمين الصحي. وقد انعكست هذه التحسينات على صناديق الاقتراع، وعززت الدعم الانتخابي لحزب العدالة والتنمية.
خصصت حكومات حزب العدالة والتنمية موارد كبيرة للبنية التحتية، فوسّعت، عبر تطوير الطرق والمطارات والسكك الحديدية والموانئ، شرايين الاقتصاد وساهمت في تسريع حركته. كما أولت أهمية كبيرة للإنتاج، وقدمت الحوافز للمنتجين والمصدّرين. وفي السنوات الأخيرة، تعرض الاقتصاد التركي لبعض الضغوط نتيجة حالة عدم الاستقرار المحيطة بتركيا، وجائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، وتكاليف معالجة آثار الزلزال الذي ضرب 11 ولاية، إضافة إلى تطبيق نظام التقاعد المبكر ذي الطابع الشعبوي. وعلى الرغم من هذه التحديات، لم تتوقف عجلة الاقتصاد، واستمر النمو الاقتصادي التركي القائم على الإنتاج والتصدير. وقد أسهم نجاح تركيا في السياسة الداخلية والاقتصاد في تعزيز مكانتها وتحولها إلى قوة أكثر تأثيرًا في الخارج أيضا.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











