ترك برس

يبعد نحو 70 كيلومترا فقط عن الحدود التركية، وخرج منذ سنوات من الخدمة كمطار عسكري فعّال، لكن 8 غارات إسرائيلية أعادت مطار أبو الظهور في ريف إدلب الشرقي، فجر الثلاثاء، إلى واجهة المشهد العسكري في سوريا، وفتحت الباب أمام تساؤلات بشأن أسباب استهداف منشأة لم تعد منذ فترة طويلة قاعدة جوية تشغيلية بالمعنى التقليدي.

وبحسب التلفزيون السوري، استهدفت الغارات مدرج المطار وألحقت أضرارا مادية ببنيته من دون تسجيل إصابات بشرية، في حين لم يصدر الجيش الإسرائيلي تعليقا يوضح أهداف العملية أو دوافعها.

وغياب الرواية الإسرائيلية يجعل الإجابة عن سؤال "لماذا أبو الظهور؟" مفتوحة على أكثر من تفسير، لكن موقع المطار القريب من تركيا، والحديث عن إعادة تأهيله، واستخدامه خلال المرحلة الجديدة مركزا لتدريب الجيش السوري، تضع الضربة في سياق يتجاوز مجرد استهداف مدرج مهجور. ووفق مصدر عسكري تحدث إلى رويترز، استُخدم الموقع بعد سقوط نظام بشار الأسد مركزا لتدريب الجيش السوري الجديد.

كما نقلت وكالة أسوشيتد برس عن المرصد السوري لحقوق الإنسان قوله إن تركيا تعمل على إعادة تأهيل القاعدة بعد سنوات من خروجها عن الخدمة. ولم يصدر، في المقابل، تعليق تركي رسمي يؤكد طبيعة الأعمال في المطار أو الغرض منها.

لماذا يلفت موقع المطار الأنظار؟

يقع أبو الظهور شرقي إدلب، في منطقة أقرب جغرافيا إلى الحدود التركية منها إلى مناطق الاحتكاك التقليدية بين سوريا وإسرائيل في الجنوب، وهو ما يمنح استهدافه دلالة مختلفة عن الغارات التي تركز عادة على دمشق أو جنوب سوريا.

وتقول رويترز إن القاعدة تبعد نحو 70 كيلومترا عن الحدود التركية، وإنها خرجت من الخدمة كمطار عسكري مخصص للطيران منذ عام 2013، قبل أن تتغير السيطرة عليها عدة مرات خلال الحرب السورية.

وهنا تبرز حساسية الموقع: فأي عملية لإعادة بناء المطار أو تأهيل مدرجه وربطه بمشروع لاستعادة القدرات العسكرية السورية يمكن أن تحوله من منشأة متضررة إلى نقطة عسكرية مهمة في شمال البلاد، في منطقة تتمتع فيها تركيا بنفوذ عسكري وسياسي واسع.

ولذلك، قد لا يكون السؤال الإسرائيلي -بحسب هذا المنظور- متعلقاً بما يملكه أبو الظهور حاليا، بل بما يمكن أن يصبح عليه مستقبلا.

سابقة تكررت مع قواعد درستها تركيا

ويعزز هذا الاحتمال ما حدث في ربيع 2025، عندما استهدفت إسرائيل قواعد جوية سورية بعد أن كانت فرق عسكرية تركية قد درست إمكان استخدامها ضمن خطط للتعاون الدفاعي مع دمشق.

وكشفت رويترز حينها أن فرقاً تركية زارت مطار حماة وقاعدتي "تي فور" وتدمر في محافظة حمص، وقيّمت المدارج والحظائر والبنية التحتية، قبل أن تتعرض المواقع لضربات إسرائيلية مكثفة. وكان من بين السيناريوهات المطروحة آنذاك نشر قوات ومعدات تركية في بعض هذه المنشآت ضمن تعاون دفاعي أوسع بين أنقرة ودمشق.

وأثار ذلك في حينه مخاوف من انتقال التنافس التركي الإسرائيلي داخل سوريا إلى احتكاك عسكري مباشر، خاصة أن إسرائيل تنظر بحساسية إلى أي وجود عسكري إقليمي قد يحد من حرية حركة طيرانها فوق الأراضي السورية. وفي المقابل، أكدت أنقرة أنها لا تسعى إلى مواجهة مع إسرائيل.

وبعد تلك الضربات، بدأت تركيا وإسرائيل اتصالات فنية لإقامة آلية لمنع الاحتكاك في الأجواء السورية. وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن الغرض من هذه الاتصالات هو منع سوء الفهم بين العناصر العسكرية، وليس تطبيع العلاقات بين البلدين.

ومن هنا، فإن ضرب أبو الظهور، إذا ما قُرئ إلى جانب الحديث عن دور تركي في إعادة تأهيله، يعيد إلى الأذهان النمط نفسه: استهداف منشأة جوية سورية قبل أن تستعيد قدرتها التشغيلية الكاملة، في منطقة تتقاطع فيها خطط إعادة بناء الجيش السوري مع النفوذ التركي.

لكن هذا الربط يبقى في إطار التحليل، في ظل عدم إعلان إسرائيل أن وجودا أو نشاطا تركيا كان سببا للغارات.

منع إعادة بناء القوة الجوية السورية؟

وثمة تفسير آخر لا ينفصل بالضرورة عن العامل التركي، ويتمثل في سعي إسرائيل إلى منع دمشق من إعادة تشكيل بنيتها العسكرية الجوية بعد الضربات الواسعة التي استهدفت ترسانة الجيش السوري عقب سقوط نظام الأسد.

فقد شنت إسرائيل مئات الغارات داخل سوريا منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، واستهدفت جزءا كبيرا من الأصول العسكرية التي كانت تابعة للجيش السابق، بما في ذلك مطارات ومخازن أسلحة ومنظومات عسكرية.

وبهذا المعنى، قد تكون أهمية أبو الظهور مرتبطة بإمكانية إدخاله مستقبلا ضمن شبكة القواعد التي يعتمد عليها الجيش السوري الجديد، وليس بما يحتويه المطار ساعة وقوع الغارات.

وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر قد أعلن في يونيو/حزيران 2025 أن بلاده بدأت تقديم التدريب والاستشارات للجيش السوري واتخاذ خطوات للمساعدة في رفع قدراته الدفاعية، ما يجعل إعادة تأهيل المنشآت العسكرية السورية جزءا من ملف أوسع يتعلق بإعادة بناء المؤسسة العسكرية.

عامل روسي في الخلفية

ويتزامن استهداف المطار كذلك مع إعادة ترتيب دمشق علاقاتها العسكرية مع موسكو.

ففي 9 أغسطس/آب الجاري، توصلت سوريا وروسيا إلى مذكرة تفاهم بشأن مستقبل المنشآت الروسية في حميميم وطرطوس، تتضمن تحويل أجزاء عسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة مع استمرار وجود قوات روسية في بعضها، وفق ما نقلته رويترز عن مصادر وتصريحات رسمية.

ولا توجد معلومات تربط الاتفاق الروسي مباشرة بمطار أبو الظهور، لكن التطور يعكس مسارا أوسع لاستعادة دمشق شراكاتها العسكرية وإعادة تنظيم منشآتها وقواتها بعد سنوات الحرب، وهو سياق قد يزيد حساسية إسرائيل تجاه أي تحرك لإعادة بناء القدرات الجوية السورية.

دمشق: تصعيد متعمد.. وواشنطن قلقة

من جانبها، أدانت الخارجية السورية الهجوم، ووصفته بأنه عدوان غير مبرر وانتهاك للسيادة السورية، معتبرة أن استمرار الضربات الإسرائيلية رغم التزام دمشق بضبط النفس يهدد بإعادة المنطقة إلى دائرة التصعيد.

لكن الموقف اللافت جاء هذه المرة من واشنطن، إذ قال المبعوث الأمريكي إلى سوريا والسفير لدى تركيا توم براك إن الولايات المتحدة تشعر بـ"قلق بالغ" إزاء الضربات، ووصفها بأنها "تصعيد غير ضروري" لا يخدم الاستقرار الإقليمي، مؤكدا تفضيل واشنطن المسار الدبلوماسي لخفض التوتر.

ويكتسب موقف براك أهمية خاصة بسبب دوره المزدوج بين أنقرة والملف السوري، وفي ظل الاتصالات الأمريكية السابقة لتجنب تحول التنافس التركي الإسرائيلي في سوريا إلى مواجهة بين حليفين رئيسيين لواشنطن.

رسالة إلى دمشق أم إلى أنقرة؟

في المحصلة، لا تقدم إسرائيل حتى الآن إجابة رسمية بشأن سبب اختيار أبو الظهور، لكن طبيعة الهدف وموقعه تعطي الضربة أبعادا أوسع من حجم الأضرار التي خلفتها.

فالمطار الذي ظل خارج الخدمة لسنوات يقع على بعد نحو 70 كيلومترا فقط من تركيا، وتقول تقارير إنه يخضع لإعادة تأهيل، بينما تستخدمه السلطات السورية الجديدة للتدريب. وفي الخلفية، هناك تعاون تركي متزايد لإعادة بناء قدرات الجيش السوري، وسابقة إسرائيلية في قصف قواعد درست أنقرة استخدامها عسكريا.

لذلك يمكن قراءة الغارات في مستويين متداخلين: الأول رسالة إلى دمشق بأن عملية إعادة بناء القوة الجوية والمنشآت العسكرية السورية ستبقى تحت المراقبة الإسرائيلية، والثاني تحذير غير مباشر من أن قرب أي منشأة من مناطق النفوذ التركي أو ارتباطها المحتمل بتعاون عسكري مع أنقرة لا يمنحها حصانة من الاستهداف.

وبين القراءتين، يبرز أبو الظهور هذه المرة ليس بوصفه مطارا عسكريا قديما عاد إلى الخدمة، بل بوصفه نقطة جديدة على خريطة التنافس على شكل القوة العسكرية التي ستملكها سوريا الجديدة، ومن سيشارك في بنائها، وإلى أي مدى تستطيع إسرائيل فرض خطوطها الحمراء عليها بالقوة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!