
ترك برس
تناول مقال للكاتب والمحلل التركي إسماعيل ياشا، أزمة صناديق الاستثمار في تركيا التي اندلعت بعد تعذر عدد من الصناديق تلبية طلبات المستثمرين، على خلفية شبهات التلاعب بأسعار أسهم محدودة التداول، وما ترتب على ذلك من قرار تصفية 131 صندوقا تابعا لسبع شركات لإدارة المحافظ.
يركز الكاتب على تداعيات الأزمة المالية والسياسية، ولا سيما بعد الكشف عن تحقيق بعض المستثمرين، وبينهم شخصيات معروفة ومقربة من حزب العدالة والتنمية، مكاسب ضخمة، إلى جانب الإجراءات الحكومية لحماية صغار المستثمرين واسترداد الأرباح المفرطة.
كما يناقش البعد الأخلاقي للأزمة، محذرا من الجشع والسعي إلى أرباح سريعة، ويدعو الحكومة والحزب إلى محاسبة المتورطين وتعزيز الرقابة لمنع تكرار مثل هذه الوقائع. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة "عربي21":
تفجرت أزمة في تركيا قبل حوالي أسبوعين حين عجز عدد من صناديق الاستثمار عن تلبية طلبات المستثمرين لاسترداد أموالهم، وقررت هيئة أسواق المال تصفية 131 صندوقا للاستثمار تابعة لسبع شركات لإدارة المحافظ، بسبب وجود تلاعب في أسعار عدد من الأسهم قليلة التداول من خلال ضخ أموال فيها ثم بيعها بعد ارتفاع قيمتها بشكل كبير، وهو ما أدَّى إلى حصول بعض المستثمرين على مكاسب مفرطة على حساب المستثمرين الآخرين. وأعلن رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان تشكيل مجلس للإشراف على تصفية تلك الصناديق الاستثمارية، كما كلَّف مجلس الرقابة الحكومي لمتابعة الملف، مؤكداً أنهم لن يدافعوا عن المخطئين، بل سيتخلون عنهم ليواصلوا مضيّهم قدما بقوة أكبر.
المستثمرون المتضررون من أزمة الصناديق الاستثمارية يقترب عددهم من نصف مليون، ومعظم هؤلاء من المواطنين العاديين الذين يخافون من أن يفقدوا مدخراتهم. إلا أن المسؤولين سرعان ما أطلقوا تصريحات لطمأنتهم وأكدوا أن حقوق المستثمرين ستتم حمايتها، كما حددت هيئة أسواق المال خريطة طريق لتصفية تلك الصناديق، وأقرت دفعات مؤقتة لمستثمريها بسقف مليون ليرة لكل مستثمر، كما أعلنت فتح حسابات بنكية تتيح لمن حققوا مكاسب مفرطة قبل قرارات التصفية إعادة تلك الأموال طوعا.
الأزمة كشفت عن المستثمرين الذين حققوا مكاسب مفرطة خلال فترة وجيزة، وبين هؤلاء أسماء مشهورة، كزوجة المغني إيراني الأصل مصطفى صندل، الذي اشتهر في السنوات الأخيرة بمعاداته للعرب عموما والسوريين على وجه الخصوص. وعلى الرغم من هذا العداء للعرب، ذهبت زوجته إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بعد أن حققت مكاسب تقدر بـ15 مليار ليرة (أكثر من 305 ملايين دولار) من أسهم الصناديق الاستثمارية التي تعرضت للتلاعب. وقال صندل، في تصريحات أطلقها للدفاع عن نفسه واستغربها الرأي العام التركي، إنه لا علاقة له مع زوجته غير الزواج.
هناك مستثمرون مقربون من أردوغان وحزب العدالة والتنمية حققوا مكاسب مفرطة، مثل وزيرة الأسرة السابقة ونائبة رئيس حزب العدالة والتنمية، فاطمة بتول سايان كايا. وذكرت وسائل الإعلام أن الوزيرة السابقة استثمرت في نيسان/ أبريل حوالي 63 مليون ليرة (1.3 مليون دولار) في أسهم، لتبيعها في أيلول/ سبتمبر مقابل حوالي 1.3 مليار ليرة (26.5 مليون دولار)، كما استثمر زوجها في أسهم أخرى، وحقق الزوجان معا مكاسب تقدر بحوالي ملياري ليرة (40.6 مليون دولار). وفي إطار التحقيقات تم تجميد جميع أصول الوزيرة السابقة وزوجها، كما أن كايا قدمت استقالتها من مناصبها، وأعادت هي وزوجها جميع مكاسبهما التي حققاها من خلال الاستثمار في الصناديق المقررة تصفيتها، إلى أحد الحسابات البنكية المعلنة لإعادة المكاسب المفرطة.
المؤيدون لحزب العدالة والتنمية ومحبو أردوغان يشعرون بغضب وانزعاج من تورط شخصيات مقربة من أردوغان في هذه الأزمة، ويقولون إن رئيس الجمهورية تعرض للطعن في ظهره، كما يصفون ما قام به هؤلاء بـ"الخيانة للقضية". ولكنهم يؤكدون في ذات الوقت أنهم ليسوا مثل المعارضين الذين يدافعون عن الفاسدين لمجرد أنهم ينتمون إلى الأحزاب التي يؤيدونها، بل إن المؤيدين لحزب العدالة والتنمية يستنكرون الخطأ والفساد، ويتخلون عن المخطئين والفاسدين، ويطالبون بمحاسبتهم مهما كانت مناصبهم.
أزمة الصناديق الاستثمارية ستكون لها تداعيات سياسية إن لم يتم حلها بشكل يرضي عموم المستثمرين المتضررين. ولذلك تحاول الحكومة طمأنتهم، كما تعمل لأن لا يسود في المجتمع اعتقاد بأن الفاسدين عموما والمقربين من الحكومة على وجه الخصوص يفلتون من المحاسبة والمعاقبة، ويشدد أردوغان على أنهم لن يسمحوا لأحد بالفساد سواء في البلديات أو الأسواق. ويبدو أن حزب العدالة والتنمية يدرك جيدا أن نجاح الحكومة أو فشلها في اختبار أزمة الصناديق الاستثمارية سينعكس على شعبية الحزب في الانتخابات القادمة سلبا أو إيجابا.
هذه الأزمة لها بعد آخر أخطر من بعدها المالي، وهو الجشع والرغبة في تحقيق مكاسب مفرطة في وقت وجيز، دون أي عمل وبذل جهد، وبغض النظر عن كون تلك المكاسب حلالا أو حراما. ومن المؤكد أن معظم المستثمرين في تلك الصناديق كانوا يحلمون بتحقيق مكاسب مفرطة كهؤلاء الذين باعوا أسهمهم عندما ارتفعت قيمتها بشكل خيالي قبل قرارات التصفية. ولذلك، يرفض كثير من المواطنين تعويض أصول المستثمرين من خزانة الدولة، ويطالبون بتعويضها فقط من الأموال المصدرة من الشركات التي تملك تلك الصناديق، بالإضافة إلى الأموال التي يعيدها أصحاب المكاسب المفرطة.
الحكومة التركية يجب أن تعالج البعد الأخلاقي لهذه الأزمة إلى جانب معالجة بعدها المالي كيلا تتكرر مثل هذه الأزمات في المستقبل. ومن الأفضل أن تبدأ هذه العملية بتطهير الدوائر الحكومية من الذين يستغلون مناصبهم لتحقيق مكاسب شخصية وتطهير صفوف حزب العدالة والتنمية من الذين تدور حولهم شبهات، قبل أن تنفجر أزمات جديدة لينكشف تورطهم فيها. وإضافة إلى ذلك، لا بد من نشر الوعي بأن السعي وراء تحقيق مكاسب كبيرة بلا عمل وجهد وإنتاج يؤدي غالبا إلى أكل الحرام والتعدي على حقوق الآخرين أو الوقوع في شبكات النصب والاحتيال.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











