
ترك برس
بعيدًا عن الصفوف التقليدية والمقاعد الدراسية، يخوض أطفال في ولاية بولو شمال غربي تركيا تجربة تعليمية مختلفة، تتحول فيها الأشجار والتربة والكائنات الحية إلى وسائل للتعلم، ضمن مشروع «مدرسة الغابة» الذي يتيح للصغار اكتساب المعرفة من الطبيعة مباشرة، عبر الاستكشاف والملاحظة والتجارب العملية.
وتأتي المبادرة، التي أطلقتها المديرية العامة للغابات التابعة لوزارة الزراعة والغابات التركية في 14 سبتمبر/أيلول 2026، ضمن مساعٍ لتعزيز الوعي البيئي لدى الأجيال الجديدة، وتعليم الأطفال كيفية حماية الغابات والموارد الطبيعية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى التوعية بمخاطر الحرائق والتغيرات البيئية.
مدرسة بمساحة 30 ألف متر مربع
تقع المدرسة على الطريق المؤدي إلى بحيرة أبانت، على بعد نحو 12 كيلومترًا من مركز مدينة بولو، وتمتد على مساحة تبلغ 30 ألف متر مربع، خُصصت لأنشطة تعليمية تستهدف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و12 عامًا.
وبخلاف المدارس التقليدية، لا تعتمد التجربة على تقديم المعلومات داخل الفصول الدراسية، بل تنقل الأطفال إلى بيئة طبيعية مفتوحة، حيث يتعرفون على النباتات والحشرات وأنواع التربة، ويتعلمون الزراعة وأهمية المياه وطرق حماية الأشجار من الحرائق.
وتضم المدرسة 8 محطات تعليمية، تشمل ورشًا للتعرف على التربة والتصميم، ومراقبة الحشرات، وفهم النظام البيئي ودورة المياه، إلى جانب أنشطة مخصصة للتوعية بحرائق الغابات وسبل الوقاية منها.
ويشارك الأطفال خلال هذه الأنشطة في زراعة البذور ومراقبة الكائنات الحية، ويكتشفون العلاقة بين الإنسان والبيئة عبر ألعاب وتجارب تفاعلية، تجعلهم جزءًا من العملية التعليمية بدلًا من الاكتفاء بتلقي المعلومات.
وتُنظم الأنشطة بالتعاون مع مديرية التربية الوطنية في بولو، بما يتيح للطلاب الاستفادة من التجربة بوصفها نشاطًا تعليميًا عمليًا مكمّلًا لدراستهم المعتادة.
من التجارب العالمية إلى غابات تركيا
لم تنشأ فكرة مدرسة الغابة في بولو بمعزل عن التجارب التعليمية العالمية، إذ سبقتها سنوات من دراسة نماذج مماثلة في دول مختلفة، والاستعانة بخبراء وأكاديميين متخصصين في التربية والتعليم البيئي.
وتعود جذور مفهوم «مدارس الغابات» الحديث إلى الدول الإسكندنافية، ولا سيما الدنمارك، حيث تطورت خلال القرن العشرين أساليب تعليمية تمنح الأطفال فرصًا منتظمة للتعلم واللعب والاستكشاف في البيئات الطبيعية.
وانتقلت التجربة لاحقًا إلى دول أخرى، من بينها بريطانيا، التي بدأت تبني هذا النموذج خلال تسعينيات القرن الماضي، بعد اطلاع تربويين بريطانيين على ممارسات التعليم في الهواء الطلق بالدنمارك.
ويقوم هذا النهج على التعلم المتمركز حول الطفل، وتشجيع الاستقلالية والفضول والتعاون، من خلال أنشطة عملية منتظمة في الغابات والمساحات الطبيعية، بدلًا من الاعتماد الحصري على التعليم النظري.
وفي هذا السياق، أوضح مدير إدارة الغابات الإقليمية في بولو، جلال كانبور، أن المشروع التركي استند إلى دراسة تجارب دولية والاستفادة من آراء متخصصين، بهدف تطوير نموذج تعليمي يناسب البيئة المحلية.
وأشار كانبور، في حديث للجزيرة، إلى أن المدرسة تتبنى شعار «اكتشف، جرّب، وشارك»، وتسعى إلى تعريف الأطفال بمكونات البيئة الطبيعية وتعزيز ارتباطهم بها منذ سنواتهم الأولى.
وأكد أن تقريب الأطفال من الطبيعة وإتاحة الفرصة لهم لتجربة طرق حمايتها أكثر فاعلية في تحقيق أهداف المشروع من الاكتفاء بتقديم المعلومات عبر الكتب أو التلفزيون أو وسائل التواصل الاجتماعي.
بعيدًا عن الهواتف والشاشات
وتحمل المبادرة بعدًا تربويًا آخر يتعلق بإعادة ربط الأطفال بالعالم الطبيعي، في ظل الحضور المتزايد للأجهزة الرقمية والهواتف الذكية في حياتهم اليومية.
وفي هذا الإطار، ترى المعلمة سيبيل، إحدى المشاركات في المشروع، أن مدرسة الغابة تمنح الأطفال فرصة مهمة لقضاء وقت بعيدًا عن الشاشات، والتفاعل المباشر مع البيئة المحيطة بهم.
وأوضحت للجزيرة أن الأطفال يتعرفون خلال زياراتهم على الأشجار والحيوانات والتربة، ويتعلمون أساليب حماية الطبيعة من خلال الملاحظة والتجربة، بدلًا من الاكتفاء بمشاهدة الصور أو قراءة المعلومات عنها.
ولا يقتصر الهدف على اكتساب معلومات بيئية، بل يشمل أيضًا تنمية مهارات الملاحظة وحل المشكلات والعمل الجماعي، وهي جوانب يركز عليها نموذج مدارس الغابات عالميًا.
فبحسب جمعية مدارس الغابات البريطانية، يستند هذا النهج إلى جلسات تعليمية منتظمة في بيئات طبيعية، تتيح للأطفال تطوير الثقة بالنفس والاستقلالية والإبداع، من خلال الاستكشاف والتجارب العملية.
تعليم الأطفال حماية الغابات من الحرائق
ويكتسب المشروع أهمية بيئية خاصة في تركيا، حيث تشكل حرائق الغابات خلال أشهر الصيف تحديًا متكررًا، خصوصًا في المناطق التي تتعرض لارتفاع درجات الحرارة والجفاف.
ومن هذا المنطلق، خصصت مدرسة الغابة أنشطة لتعريف الأطفال بأسباب الحرائق ومخاطرها، والسلوكيات التي ينبغي اتباعها لتجنب اندلاعها، إلى جانب توعيتهم بأهمية الحفاظ على الأشجار والغطاء النباتي.
وأوضح مدير فرع الصحافة والاتصال في مديرية الغابات الإقليمية ببولو، إيمرا كوجاك، أن الأنشطة صُممت لتشجيع الأطفال على التعلم عبر الألعاب والتجارب المباشرة، بما يساعدهم على فهم العلاقة بين الإنسان والبيئة.
ويهدف المشروع إلى غرس فكرة أن حماية الغابات ليست مسؤولية الجهات الحكومية وحدها، بل تبدأ أيضًا من وعي الأفراد وتصرفاتهم اليومية، وهو ما تسعى المدرسة إلى ترسيخه لدى الأطفال في سن مبكرة.
هل تتوسع التجربة إلى ولايات أخرى؟
ولا تتعامل الجهات القائمة على المشروع مع تجربة بولو باعتبارها نشاطًا محليًا محدودًا، إذ تعمل المديرية العامة للغابات التركية على توسيع نموذج التعليم في الطبيعة إلى مناطق أخرى من البلاد.
ويستهدف التوجه الاستفادة من التجربة في تطوير أنشطة تعليمية تجمع بين المعرفة البيئية والتطبيق العملي، وتساعد الأطفال على التعرف على النظم الطبيعية ومخاطر الإضرار بها.
ورغم اختلاف هذا النموذج عن التعليم المدرسي المعتاد، فإنه لا يهدف إلى الاستغناء عن المدارس التقليدية، بل إلى استكمال دورها من خلال توفير مساحة يتعلم فيها الأطفال بالخبرة المباشرة.
وبذلك، تقدم مدرسة الغابة في بولو تجربة تربوية تجعل الطبيعة جزءًا من العملية التعليمية، وتحول مفاهيم مثل حماية الأشجار وترشيد استخدام المياه والحفاظ على التنوع الحيوي من دروس نظرية إلى ممارسات يختبرها الأطفال بأنفسهم.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











