ترك برس

تتجه تركيا نحو مرحلة جديدة من تعاونها العسكري مع الصومال، عبر خطط لتطوير قاعدة جوية استراتيجية جنوبي البلاد، في خطوة تعكس اتساع الشراكة الدفاعية بين أنقرة ومقديشو، وسط تحولات أمنية متسارعة في منطقة القرن الإفريقي، ومساعٍ صومالية لتعزيز قدرات الجيش الوطني ومواجهة التنظيمات الإرهابية.

وكشفت تقارير إعلامية، استناداً إلى مصادر أمنية صومالية، عن زيارة وفد من المسؤولين العسكريين الأتراك إلى قاعدة «باليدوغلي» الجوية، الواقعة في إقليم شبيلي السفلى، لبحث تطوير بنيتها التحتية وتحويلها إلى مركز متقدم للأنشطة العسكرية المشتركة بين البلدين.

وبحسب التقارير، تتضمن الخطط المقترحة توسيع مدرج القاعدة وإنشاء حظائر مخصصة للطائرات العسكرية، بما يسمح برفع قدراتها التشغيلية وتعزيز جاهزيتها لاستقبال الطائرات وتنفيذ الأنشطة الجوية.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن المشروع، في حال تنفيذه، قد يمنح القاعدة دوراً أوسع في التعاون العسكري التركي الصومالي، إلى جانب إمكانية استخدامها في أنشطة مشتركة مع شركاء دوليين، دون صدور إعلان رسمي حتى الآن يحدد طبيعة تلك الأنشطة أو القوات التي ستشارك فيها.

تحولات في الوجود العسكري الدولي

وتكتسب التحركات التركية المرتبطة بقاعدة «باليدوغلي» أهمية إضافية في ظل تقارير تتحدث عن إعادة ترتيب الوجود العسكري الأميركي وقوات الاتحاد الإفريقي في محيطها.

ووفقاً للمعلومات المنشورة، يُتوقع نقل مسؤولين أميركيين يعملون في القاعدة إلى منشأة «دناب» في مقديشو، بالتوازي مع توجه نحو منح القوات الصومالية مسؤوليات أكبر في إدارة الأنشطة العسكرية والأمنية.

ولا تعني هذه الترتيبات بالضرورة انتهاء الدور الأميركي في الصومال، إذ تشير التقارير إلى استمرار واشنطن في تقديم الدعم الأمني ومتابعة التطورات المرتبطة بمكافحة الإرهاب.

وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل تطوير القاعدة إضافة إلى قدرات القوات المسلحة الصومالية، بما ينسجم مع جهود مقديشو لتعزيز سيطرتها على المنشآت العسكرية ورفع مستوى جاهزيتها العملياتية، مستفيدة من الشراكات الدفاعية القائمة مع تركيا ودول أخرى.

تعاون عسكري يتجاوز التدريب

وتأتي هذه الخطط امتداداً لشراكة عسكرية وأمنية متنامية بين أنقرة ومقديشو، اكتسبت زخماً خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في مجالات تدريب القوات المسلحة الصومالية وتأهيل كوادرها وتطوير قدراتها الدفاعية.

ويبرز مركز التدريب العسكري التركي «توركسوم»، الذي افتُتح في مقديشو عام 2017، بوصفه أحد أهم مشروعات التعاون الدفاعي بين البلدين، إذ يساهم في إعداد عناصر الجيش الصومالي وتطوير مهاراتهم العسكرية والمهنية.

وشهد التعاون محطة مهمة في شباط/فبراير 2024، عندما وقعت تركيا والصومال اتفاقية إطارية للتعاون الدفاعي والاقتصادي مدتها عشر سنوات، تشمل دعم بناء القدرات البحرية الصومالية وتدريب قواتها وتجهيزها، وتعزيز أمن السواحل ومكافحة القرصنة والصيد غير القانوني والتهديدات الأمنية.

وفي 21 أيلول/سبتمبر 2026، استقبل وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فيقي وفداً عسكرياً تركياً برئاسة قائد مركز «توركسوم»، اللواء صباح الدين كالكان، لبحث توسيع التعاون الدفاعي ورفع كفاءة القوات المسلحة الصومالية.

وأشاد فيقي خلال اللقاء بالدعم التركي لجهود إعادة بناء المؤسسة العسكرية الصومالية، مؤكداً أهمية الشراكة القائمة بين البلدين في تعزيز الأمن والاستقرار.

وتجددت المشاورات في 4 تشرين الثاني/نوفمبر، خلال لقاء جمع وزير الدفاع الصومالي باللواء التركي صباح الدين كيلينتش، قائد القيادة الاستراتيجية المشتركة الدولية التابعة لرئاسة الأركان التركية، حيث ناقش الجانبان التعاون العسكري والأوضاع الأمنية في القرن الإفريقي ومكافحة الإرهاب.

حضور جوي وبحري متنامٍ

ولا يقتصر التعاون الدفاعي التركي الصومالي على التدريب والتجهيز، بل امتد إلى تعزيز القدرات الجوية والبحرية، في إطار توجه أوسع لدعم المؤسسات الأمنية الصومالية.

ففي نيسان/أبريل 2026، تأكد نشر مقاتلات تركية من طراز «إف-16» في الصومال، بعدما شاركت ثلاث منها في عرض جوي بمناسبة الذكرى السادسة والستين لتأسيس القوات المسلحة الصومالية.

كما أظهرت بيانات وزارة الدفاع التركية مشاركة مروحيات هجومية من طراز «تي-129 أتاك» ومروحيات نقل عسكرية في الأنشطة المرتبطة بهذه المناسبة.

وعلى الصعيد البحري، تواصل تركيا دعم جهود الصومال لتعزيز أمن مياهه الإقليمية، مستندة إلى اتفاقية التعاون الدفاعي الموقعة بين البلدين، التي تمنح تنمية القدرات البحرية وحماية السواحل أهمية خاصة.

وتكتسب هذه الجهود أهمية استراتيجية بالنظر إلى الموقع الجغرافي للصومال المطل على المحيط الهندي وخليج عدن، وقربه من الممرات البحرية المؤدية إلى البحر الأحمر، أحد أبرز طرق التجارة الدولية.

شراكة استراتيجية في القرن الإفريقي

وتندرج التحركات العسكرية الجديدة ضمن سياسة تركية تقوم على توسيع العلاقات مع الدول الإفريقية، وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي معها، مع احتفاظ الصومال بمكانة خاصة في هذه السياسة.

وتؤكد أنقرة دعمها لوحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه، إلى جانب مساندة جهود الحكومة الفيدرالية لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار.

وتتجاوز العلاقات الثنائية الجانب العسكري، لتشمل التعاون الاقتصادي والاستثمار والبنية التحتية والطاقة، ما يمنح الشراكة بين البلدين أبعاداً استراتيجية متداخلة.

ومن شأن تطوير قاعدة «باليدوغلي»، إذا أُقرت الخطط المعلنة بشأنها، أن يعزز إمكانات التعاون العسكري بين أنقرة ومقديشو، ويدعم قدرة الصومال على إدارة منشآته الدفاعية وتطوير قواته الجوية.

ومع ذلك، لا تزال تفاصيل المشروع بانتظار التأكيد الرسمي، في ظل غياب إعلانات تحدد حجم الاستثمارات المطلوبة أو الجدول الزمني للتنفيذ أو أنواع الطائرات التي قد تستخدم القاعدة مستقبلاً.

وبينما تتجه الشراكة الدفاعية التركية الصومالية نحو مجالات أكثر تقدماً، تبقى قاعدة «باليدوغلي» أحد الملفات التي قد تكشف خلال المرحلة المقبلة طبيعة الدور الذي ستؤديه المنشآت الجوية في تعزيز القدرات العسكرية الصومالية وتوسيع التعاون الاستراتيجي بين البلدين.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!