حسناء جوخدار - ترك برس

تشكل مدينة إسطنبول واحدة من أعظم المراكز التاريخية التي شهدت تداخل الحضارات والأديان عبر القرون. وفي قلب هذه المدينة تقف معالم دينية ومعمارية تشهد على تاريخ طويل من التحولات الثقافية والسياسية. ومن أبرز هذه المعالم مبنيا آيا إيريني وآيا صوفيا، اللذان يمثلان مثالاً فريداً على الترابط التاريخي والروحي بين دور العبادة في المدينة.

عند التأمل في تاريخ هذين المبنيين العريقين، يتضح أن العلاقة بينهما لم تكن مجرد تقارب جغرافي، بل كانت أيضاً علاقة معمارية وروحية. ففي إحدى الفترات التاريخية كان مبنى آيا إيريني متصلاً بكنيسة آيا صوفيا عبر أروقة خاصة، وكان المبنيان يُعرفان معاً باسم "ميغال إكليسيا" أي "الكنيسة العظمى"، في دلالة على مكانتهما الدينية الكبرى في الإمبراطورية البيزنطية.

آيا إيريني… كنيسة صامتة داخل أسوار التاريخ

يقع مبنى آيا إيريني داخل أسوار قصر توبكابي، ويُعد من أقدم وأجمل المباني التاريخية في المدينة. كان هذا المبنى في الأصل كنيسة بيزنطية، لكنه لم يتحول إلى مسجد بعد الفتح العثماني كما حدث مع العديد من الكنائس الأخرى، بل تُرك مهجوراً لفترة طويلة قبل أن يُعاد توظيفه لاحقاً كمتحف ومركز ثقافي.

يتميز المبنى من الداخل بعدة عناصر معمارية نادرة لم يبقَ لها نظير في الكنائس البيزنطية الأخرى في إسطنبول. ومن أهم هذه العناصر السنثرونون، وهو صف من المقاعد الحجرية المدمجة حول الحنية، كان يستخدمه رجال الدين أثناء إقامة الشعائر الدينية. ويتكون هذا الترتيب من خمسة صفوف من المقاعد التي ترتفع تدريجياً في شكل نصف دائري.

فوق هذه المقاعد يظهر صليب بسيط من الفسيفساء السوداء على خلفية ذهبية، ويعود تاريخه إلى فترة تحطيم الأيقونات في الإمبراطورية البيزنطية، وهي مرحلة تاريخية مُنعت فيها الصور الدينية والتمثيلات التصويرية داخل الكنائس.

وفي الجزء الخلفي من الكنيسة يوجد فناء يشبه الأديرة، كان يُستخدم في الماضي كمكان لدفن بعض الأباطرة البيزنطيين. وكانت توابيتهم تُصنع من الرخام السماقي الأحمر، وهو حجر ثمين كان يُستخدم حصرياً للملوك والأباطرة. وقد نُقلت معظم هذه التوابيت لاحقاً إلى المتاحف الأثرية في إسطنبول.

واليوم، أصبح مبنى آيا إيريني متحفاً يحتضن عدداً من الأعمال الفنية التاريخية، ويُعتبر أيضاً نموذجاً معمارياً مهماً سبق التطورات التي ظهرت لاحقاً في تصميم آيا صوفيا.

آيا صوفيا… التحفة التي غيّرت تاريخ العمارة

يُعد مبنى آيا صوفيا، الذي يعني اسمه "الحكمة المقدسة"، واحداً من أعظم المباني في تاريخ العمارة العالمية. بُني في القرن السادس الميلادي في عهد الإمبراطور البيزنطي جستنيان، وصممه المهندسان العبقريان أنثيميوس التراسي وإيزيدور الميليتي.

تميّز البناء باستخدام مواد من مناطق مختلفة من الإمبراطورية البيزنطية. فقد جُلب الرخام المستخدم في الأرضيات والأسقف من الأناضول وسوريا، بينما جاءت بعض مواد البناء الأخرى من شمال إفريقيا. كما استُخدمت أعمدة ضخمة جُلب بعضها من معبد أرتميس في مدينة أفسس القديمة ومن مصر.

تبلغ أبعاد المبنى نحو 269 قدماً طولاً و240 قدماً عرضاً، بينما ترتفع القبة الرئيسية إلى ارتفاع يقارب 180 قدماً. وقد انهارت القبة الأولى جزئياً عام 557 ميلادية، ليقوم المهندس إيزيدور الأصغر بإعادة تصميمها بشكل أكثر قوة باستخدام أضلاع هيكلية وقوس أكثر وضوحاً.

تصميم معماري فريد

صُممت آيا صوفيا على شكل بازيليك مقبب يضم صحنًا رئيسياً واسعاً وممرين جانبيين شمالي وجنوبي، إضافة إلى رواقين في الجهة الغربية. لكن ما يجعل المبنى استثنائياً ليس الشكل المعماري فقط، بل الحجم الهائل والتجربة الهندسية الجريئة التي تم تنفيذها فيه.

القبة المركزية هي العنصر الأكثر إثارة للإعجاب في المبنى؛ إذ يبلغ قطرها نحو 33 متراً وترتفع إلى 56 متراً عن الأرض. وعلى الرغم من هذه الأبعاد الضخمة، فإنها تمنح الزائر إحساساً بالخفّة، حتى إن المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس وصفها قائلاً إنها تبدو "كأنها معلّقة في السماء بسلسلة ذهبية".

الضوء… مادة البناء غير المرئية

من أبرز أسرار عظمة آيا صوفيا الطريقة الفريدة التي استُخدم بها الضوء الطبيعي داخل المبنى. فقد أدرك المهندسان المعماريان أن الضوء يمكن أن يكون جزءاً أساسياً من التصميم المعماري.

تحت القبة توجد أربعون نافذة تسمح بدخول أشعة الشمس إلى الداخل. وعندما تتسلل هذه الأشعة عبر النوافذ، فإنها تنعكس على الفسيفساء الذهبية المنتشرة على الجدران، فتخلق جواً من الإشراق والغموض في آن واحد.

ويبدأ التأثير البصري من الظلال الداكنة في الأسفل، ثم يتصاعد تدريجياً مع ارتفاع البناء عبر صالات العرض والنوافذ المضيئة، ليبلغ ذروته في القبة التي تبدو وكأنها تسبح في بحر من الضوء.

الفسيفساء والرموز الدينية

تحتوي الحنية في آيا صوفيا على فسيفساء شهيرة تُصوّر السيدة العذراء مريم وهي تحمل الطفل المسيح، في رمز ديني يعكس مفهوم التجسد في المسيحية. وتبرز هذه اللوحة بوضوح عندما يتسلل الضوء من النوافذ الجانبية ليضيء تفاصيلها الدقيقة.

كما توجد داخل المبنى جرار رخامية ضخمة على جانبي بوابة الإمبراطور، تتسع الواحدة منها لنحو 1200 لتر من الماء. وقد أُضيفت هذه الجرار خلال العهد العثماني في زمن السلطان مراد الثالث، وكانت تُستخدم في طقوس الوضوء الإسلامية المعروفة باسم الوضوء أو "أبدست".

معلم يهيمن على أفق إسطنبول

لا يقتصر سحر آيا صوفيا على داخلها فحسب، بل يمتد أيضاً إلى تصميمها الخارجي المهيب. إذ يهيمن المبنى على أفق إسطنبول بقبابه الضخمة ومآذنه الأربع التي أضيفت خلال العهد العثماني.

ويحيط بالمبنى عدد من العناصر المعمارية الأخرى مثل المدرسة الابتدائية العثمانية، والنافورة، وقاعة الساعة، ومبنى الخزانة. كما تقع بالقرب منه أضرحة بعض السلاطين العثمانيين التي تُعد بحد ذاتها تحفاً معمارية تستحق الزيارة.

إرث معماري خالد

تشكل آيا صوفيا وآيا إيريني معاً صفحة فريدة في تاريخ إسطنبول، حيث تعكس مبانيهما تطور العمارة الدينية عبر العصور، كما تعكس التحولات التاريخية التي شهدتها المدينة من الإمبراطورية البيزنطية إلى العهد العثماني.

واليوم، لا تزال هذه المعالم تقف شاهدة على عبقرية الإنسان في الجمع بين الإيمان والفن والهندسة، لتظل إسطنبول واحدة من أهم المدن التي تحتضن أعظم الكنوز المعمارية في العالم.

المصدر: موقع GoTürkiye الترويجي الرسمي

عن الكاتب

حسناء جوخدار

صحفية تركية


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!