تونجا بنغين - ملييت - ترجمة وتحرير ترك برس

إن آخر القفزات التي حققتها تركيا في الصناعات الدفاعية، والصواريخ الباليستية فرط الصوتية، قد زادت من توتر إسرائيل واليونان، هذين الشقيقين الشيطانيين، إلى أقصى حد... ففي كلتيهما حالة من «الفصام العميق». إنهما غير قادرتين على التمييز بين الحقيقة والخيال. فإسرائيل، الدولة المارقة، تهاجم كل مكان كما تشاء، وتسرح وتمرح في الشرق الأوسط كما تريد، لكنها تعرف جيداً أين يجب أن تتوقف. وذلك هو تركيا...

ورغم ذلك تواصل إطلاق التصريحات الفارغة... فماذا يمكن أن يفعل جيشها الذي ثبّتته تقارير الأمم المتحدة كجيش «لا يقوى إلا على الأطفال ويرتكب إبادة جماعية»، والذي لم يعد قادراً على منع حالات الانتحار والفرار داخله؟!.. أما اليونان، التي لم تفهم الناتو يوماً، فهي تركض خلف الأوهام عبر إقامة تحالف مع هذه الدولة المارقة إسرائيل، بسبب فوبيا تركيا وهلوساتها... وهي لا ترى، ولا تستطيع أن ترى، أن العديد من الدول في الاتحاد الأوروبي بدأت بتعليق اتفاقياتها مع إسرائيل التي تزعزع الاستقرار في المنطقة وتشكل بلاءً على العالم، وأن الرأي العام حتى في الولايات المتحدة، المعروفة دائماً بمواقفها المؤيدة لإسرائيل، قد بدأ يتغير... بل إنها لا تعير اهتماماً للتحذيرات القادمة من داخل بلادها نفسها، والتي تقول: «إن التحالف مع دولة ترتكب جرائم حرب يجعلنا نحن أيضاً في وضع خطر»... لدى اليونان مشكلة في قراءة الظرف الدولي وفهمه... وهذه قصة مألوفة لها أمثلة كثيرة جداً في التاريخ... فحتى بعد أن اضطرت قبل قرن واحد فقط إلى مغادرة الأناضول بصورة مهينة، فإنها لم تتعظ، ولا تشعر بالخجل من الانحطاط الذي ارتكبته... إنها تقف دائماً، عن عمد، أو بالأحرى بوصفها أداة وظيفية، في الجانب الخطأ من التاريخ...

اليونان التي حذّرها المقرر الخاص للأمم المتحدة ألبانيزي بقوله: «أنتم تظنون أنكم اخترتم إسرائيل كضمانة ضد منافستكم تركيا. لكنكم لم تختاروا إسرائيل؛ بل إسرائيل هي التي اختارتكم وتستخدم مخاوفكم»، كانت قد سلّمت أيضاً يهود سالونيك إلى النازيين خلال فترة الاحتلال الألماني في الحرب العالمية الثانية (1941-1944)... فقد جرى إرسال السكان اليهود في المدينة، الذين كان عددهم يقارب 50 ألف شخص، إلى معسكرات الاعتقال ومراكز الموت في أوشفيتز-بيركيناو نتيجة الضغوط الشديدة والترحيل المنهجي الذي مارسه الألمان. وبدأ النازيون عام 1943 بحشر اليهود في الغيتوهات ثم نقلهم بالقطارات إلى المعسكرات. وخلال هذه العملية، وبمساهمة المتعاونين المحليين، تمت مصادرة ممتلكات اليهود والمعابد اليهودية. وقد أُبيد تقريباً كامل المجتمع اليهودي في سالونيك (95 بالمئة) خلال هذه المرحلة، وهو ما يُعد من أكبر الخسائر في تاريخ الهولوكوست في أوروبا. أما قوات الأمن والبنية الإدارية اليونانية، فقد أصبحت بلا فاعلية تحت إدارة الاحتلال الألماني أو قامت بتنفيذ أوامر النازيين... ومنذ انتقال سالونيك إلى اليونان عام 1912، كانت هناك بالفعل سياسات قومية وتمييز ضد السكان اليهود في المدينة. وفي النتيجة، أصبحت اليونان بلداً سلّم اليهود إلى الجيش الألماني المحتل والنازيين، أو غضّ الطرف عن قتلهم، بل واحتوى أيضاً على بنى متعاونة معهم...

واليونان نفسها اليوم تقف أيضاً جنباً إلى جنب مع إسرائيل، دولة الإرهاب التي قتلت 75 ألف إنسان في غزة من دون تمييز بين أطفال ونساء، والتي تُحاكم في محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية بسبب الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ومع رئيس وزرائها القاتل نتنياهو… فكلاهما وقح وعديم الخجل… لقد كان الرأي العام العالمي ينظر إلى اليهود وإسرائيل بوصفهم شعباً تعرّض للإبادة، أما اليوم فقد تحولت هذه الصورة إلى فهم يعتبر هذه الدولة شعباً يرتكب الإبادة… إن القاتل المتسلسل نتنياهو ووزراءه الصهاينة-النازيون يقتلون بصورة منهجية الشعب الفلسطيني، وخاصة الأطفال والرضع، ويحكمون على الناس بالجوع ويدفعونهم إلى الهجرة من أراضيهم… أما في السجون، فهناك التعذيب والظلم وسوء المعاملة وكل ما يمكن تخيله… والأسوأ أنهم يروون هذه الأفعال بوقاحة وكأنها إنجازات… أي إنه لا فرق بينهم وبين أحطّ وأدنى مرتكبي الإبادة الجماعية الذين شهدهم التاريخ…

أما اليونان، التي سلّمت اليهود إلى النازيين وغضّت الطرف عن قتلهم في الماضي، فهي ترتكب اليوم الخطأ والانحطاط نفسيهما عبر وقوفها إلى جانب إسرائيل… فهي تلتزم الصمت تجاه قتل الصهاينة-النازيين للشعب الفلسطيني، ولا تبدي أي رد فعل، بل تدعم القتلة على العكس… وميتشوتاكيس يقول عن القاتل نتنياهو: «صديقي بيبي» من دون خجل. بل إن هناك فضائح تتعلق بغضّ الطرف عن هجوم السفن الحربية الإسرائيلية على القافلة التي كانت تنقل مساعدات إنسانية إلى غزة، وانكشاف أوجه التعاون بينهم… وكلتاهما لديهما الكثير جداً ليتعلماه من تركيا… وفي المقدمة الإنسانية…

 

عن الكاتب

تونجا بنغن

كاتب لدى صحيفة ملييت


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس