حسناء جوخدار - ترك برس

يشهد النظام البيئي للشركات الناشئة في تركيا نموًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا بمزيج من القدرات التكنولوجية المتقدمة، والإصلاحات الاقتصادية والتنظيمية، والحوافز الحكومية الهادفة إلى دعم الابتكار وريادة الأعمال. 

ومع توسع قاعدة المستخدمين الرقميين، وارتفاع أعداد الكفاءات الشابة، وتزايد اهتمام المستثمرين المحليين والدوليين، أصبحت تركيا واحدة من أبرز الأسواق الناشئة في مجال التكنولوجيا والشركات الريادية في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتسعى أنقرة إلى ترسيخ موقعها كمركز إقليمي للتكنولوجيا والابتكار، من خلال بناء منظومة متكاملة تضم مختلف عناصر دعم الشركات الناشئة، بدءًا من شبكات المستثمرين ورؤوس الأموال الجريئة، مرورًا بمسرعات الأعمال ومراكز الابتكار، وصولًا إلى البرامج الحكومية الداعمة والموجهين والخبراء.

قاعدة سكانية شابة تدعم الاقتصاد الرقمي

ويبلغ عدد سكان تركيا أكثر من 86 مليون نسمة، بمتوسط أعمار يصل إلى 34.4 عاما، ما يمنح البلاد واحدة من أكبر القواعد السكانية الشابة في أوروبا والمنطقة المحيطة بها. وتمثل هذه الفئة العمرية عنصرًا أساسيًا في دعم الاقتصاد الرقمي وتسريع تبني التقنيات الحديثة.

وتتمتع تركيا كذلك بقاعدة كبيرة من الكفاءات البشرية، إذ يتخرج من جامعاتها سنويًا نحو مليون طالب، بينهم أكثر من 72 ألف خريج في مجالات الهندسة والتخصصات المرتبطة بالتكنولوجيا، ما يوفر للشركات الناشئة مخزونًا متجددًا من المواهب المؤهلة. 

ويُنظر إلى هذا التنوع البشري والكفاءات التقنية بوصفه أحد أبرز عوامل الجذب للاستثمارات في قطاع التكنولوجيا، خاصة مع توافر مطورين ومهندسين يتمتعون بمهارات تنافسية وتكاليف تشغيل أقل مقارنة بالعديد من الأسواق الأوروبية. وفقا لتقرير صادر عن مكتب الاستثمار والشؤون المالية في الرئاسة التركية.

مجتمع رقمي واسع وسوق واعدة للتطبيقات

تعكس معدلات الاستخدام الرقمي المرتفعة في تركيا حجم التحول التكنولوجي الذي تشهده البلاد، حيث تضم السوق التركية عشرات الملايين من المستخدمين النشطين على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة.

وبحسب بيانات صادرة عام 2025، يبلغ عدد مستخدمي “إنستغرام” في تركيا نحو 58.4 مليون مستخدم، فيما يستخدم “يوتيوب” نحو 57.7 مليون شخص، و”تيك توك” نحو 40.2 مليون مستخدم، إضافة إلى 34.8 مليون مستخدم لـ”فيسبوك”، و19.7 مليون مستخدم لمنصة “إكس”، و19 مليون مستخدم لـ”لينكدإن”.

كما تحتل تركيا المرتبة الثامنة عالميًا من حيث عدد تنزيلات تطبيقات الهواتف المحمولة، وهو ما يجعلها سوقًا مهمة لاختبار المنتجات الرقمية والتوسع في التطبيقات والخدمات التقنية الجديدة.

وتوفر هذه البيئة الرقمية المتقدمة فرصًا واسعة للشركات الناشئة العاملة في مجالات التجارة الإلكترونية، والتكنولوجيا المالية، والتسويق الرقمي، والخدمات القائمة على التطبيقات الذكية.

صعود الشركات المليارية “يونيكورن”

منذ عام 2020، نجح النظام البيئي التركي في إنتاج ست شركات ناشئة تجاوزت قيمتها السوقية مليار دولار، لتدخل بذلك قائمة شركات “اليونيكورن”، وهي: Trendyol، وGetir، وPeak Games، وDream Games، وInsider، وHepsiburada.

ويعكس هذا النجاح قدرة الشركات التركية على التوسع إقليميًا وعالميًا، خاصة في قطاعات التجارة الإلكترونية، والألعاب الإلكترونية، والتوصيل السريع، وتكنولوجيا التسويق.

كما ساهمت صفقات الاستحواذ والاستثمارات الأجنبية في تعزيز الثقة بالسوق التركية، وتشجيع المزيد من رواد الأعمال على تطوير مشاريع تقنية قابلة للنمو العالمي.

تدفقات استثمارية متزايدة

خلال السنوات الخمس الماضية بين 2021 والربع الثالث من 2025، جذب قطاع الشركات الناشئة في تركيا استثمارات بلغت نحو 5.6 مليارات دولار، ما وضع البلاد في المرتبة الثانية عشرة أوروبيًا والثالثة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من حيث حجم الاستثمارات في الشركات الناشئة.

وتجاوزت قيمة الاستثمارات خلال عام 2024 وحده نحو 1.1 مليار دولار، مدفوعة بالنمو المتسارع في قطاعات البرمجيات كخدمة (SaaS)، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، وتكنولوجيا التسويق، وخدمات توصيل البقالة.

وفي الوقت نفسه، تصدرت قطاعات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والتكنولوجيا الصحية، والبرمجيات كخدمة، والتكنولوجيا المالية قائمة القطاعات الأكثر نشاطًا من حيث عدد الصفقات الاستثمارية.

دعم حكومي وتمويل متنوع

تلعب الحكومة التركية دورًا محوريًا في دعم منظومة الابتكار، من خلال برامج تمويل وحوافز تستهدف رواد الأعمال والشركات الناشئة في مراحلها المبكرة.

وفي هذا السياق، شهد برنامج المنح “TÜBİTAK BiGG” تحولًا إلى صندوق تمويل أولي، حيث ساهم في تنفيذ 231 استثمارًا أوليًا خلال عام 2024، إضافة إلى 101 استثمار خلال النصف الأول من عام 2025.

كما أطلقت تركيا برنامج “التأشيرة التقنية” أو “Tech Visa Program”، الذي يستهدف استقطاب المواهب التقنية العالمية والشركات الناشئة المبتكرة، عبر توفير تسهيلات وإجراءات تساعدهم على الاندماج السريع في السوق التركية.

ويأتي هذا البرنامج ضمن جهود أوسع لتحويل تركيا إلى مركز إقليمي للكفاءات التكنولوجية، وتعزيز قدرتها على جذب العقول والاستثمارات الدولية.

نشاط متزايد لصناديق رأس المال المخاطر

يشهد قطاع رأس المال المخاطر في تركيا توسعًا متواصلًا، حيث تم خلال عام 2024 إطلاق 136 صندوقًا استثماريًا جديدًا نجحت في جمع نحو 515 مليون دولار.

وبذلك، ارتفع إجمالي التمويلات المجمعة عبر صناديق رأس المال المخاطر خلال السنوات الخمس الماضية إلى نحو 2.3 مليار دولار، ما يعكس تنامي ثقة المستثمرين بالسوق التركية وقدرتها على إنتاج شركات تقنية واعدة.

ويُتوقع أن يواصل هذا النشاط نموه خلال السنوات المقبلة، خاصة مع ازدياد اهتمام المستثمرين العالميين بقطاعات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والتكنولوجيا الصحية.

آفاق مستقبلية واعدة

تتوقع تركيا ظهور المزيد من شركات “اليونيكورن” خلال السنوات المقبلة، مستفيدة من البنية التحتية الرقمية المتطورة، والقاعدة السكانية الشابة، وتزايد الاعتماد على التكنولوجيا، إلى جانب بيئة استثمارية أكثر نضجًا.

كما يعزز من هذه التوقعات وجود مطورين ذوي مهارات عالية وتكاليف تنافسية، إضافة إلى نجاح عدد من الشركات التركية في تنفيذ صفقات خروج واستحواذ مع شركات عالمية كبرى.

وفي ظل هذه المعطيات، تواصل تركيا تقديم نفسها كوجهة جاذبة للمستثمرين الدوليين الراغبين في دخول أسواق التكنولوجيا الناشئة، سواء عبر الاستثمار المباشر في الشركات الناشئة أو من خلال صناديق رأس المال المخاطر، للاستفادة من موجة النمو المتوقعة في قطاع الابتكار والتكنولوجيا خلال السنوات المقبلة.

 

عن الكاتب

حسناء جوخدار

Hüsna Joukhadar


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!