تورغاي يرلي كايا - يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس

إن دخول الحرب الأمريكية/الإسرائيلية مع إيران في مسار وقف إطلاق النار بوساطة من ترامب فتح الباب أمام مجموعة جديدة من النقاشات. فالتحليلات التي أُجريت حول الطرف الأكثر استفادة من بنود الاتفاق التي تسرّبت إلى الرأي العام، من دون شك، تسلط الضوء أيضاً على المرحلة المقبلة من العملية. وعلى وجه الخصوص، فإن البنود المتعلقة بالعقوبات المفروضة على إيران والأصول المجمدة ستكشف الكثير عن مكانة إيران في النظام الدولي خلال الفترة القادمة.

إلى جانب ذلك، فإن الدعم المالي الذي ستحصل عليه إيران في مرحلة إعادة الإعمار، إضافة إلى المكاسب التقنية التي تصر على عدم التخلي عنها، هي عوامل تجعل إيران في موقع أكثر أفضلية في مواجهة الولايات المتحدة. وعند الأخذ في الاعتبار الأعباء المادية والسياسية التي فرضتها الحرب على الولايات المتحدة وترامب، أصبح فتح نافذة جديدة تتجه نحو وقف إطلاق النار والسلام الدائم نوعاً من الضرورة.

ورغم تقديم هذا الوضع على أنه قصة نجاح بالنسبة للطرفين، فإنه بلا شك يملك خاسراً واحداً.

كانت إسرائيل تسعى، بعد أحداث السابع من أكتوبر، إلى ترسيخ موقعها الذي اكتسبته عبر الأعمال الإرهابية ومحاولات الاحتلال، وذلك من خلال تعزيز نفوذها في إيران بدعم أمريكي. وقد لجأت إسرائيل، الساعية إلى إحداث تغيير في النظام، إلى مختلف أشكال التجسس، بما في ذلك تسليح الجماعات الانفصالية في المنطقة. لكنها تجد نفسها اليوم في موقع الخاسر.

فحتى عند النظر فقط إلى مجريات الأحداث منذ السابع من أكتوبر، يتضح أن إسرائيل تواجه خسارة كبيرة في السمعة، سواء على مستوى صورتها الدولية أو على صعيد علاقاتها مع حلفائها. وفي هذا السياق، تُظهر الدراسة التي أجراها مركز بيو للأبحاث على 44 ألف شخص في 36 دولة، أن نسبة النظرة السلبية تجاه إسرائيل ارتفعت إلى 67 في المئة.

ومن أكثر النتائج دراماتيكية بالنسبة لإسرائيل في هذه الدراسة أنها شهدت تراجعاً كبيراً على مستوى الصورة والانخراط السياسي حتى داخل الولايات المتحدة، حليفها الأهم.

ففي الدراسة المذكورة، كانت نسبة الأمريكيين الذين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل قبل السابع من أكتوبر تبلغ 42 في المئة، بينما ارتفعت هذه النسبة، اعتباراً من عام 2026، إلى نحو 60 في المئة. ومن النتائج اللافتة الأخرى للدراسة أن هذه النظرة السلبية لم تعد تقتصر على الديمقراطيين، بل وصلت إلى مستويات مرتفعة للغاية أيضاً بين الجمهوريين.

لقد أثرت هذه الصورة المتنامية تدريجياً منذ السابع من أكتوبر بشكل مباشر على السياسة، واضطرت الدول التي تربطها علاقات وثيقة بإسرائيل إلى خلق مسافة بينها وبينها مع مرور الوقت.

فحملات المقاطعة، والحركات الاجتماعية واسعة النطاق، والشعارات المناهضة لإسرائيل التي ارتفعت في الجامعات، انتقلت تدريجياً إلى صلب الأجندة السياسية، ما دفع السياسيين إلى الشعور بالحاجة إلى النأي بأنفسهم عن إسرائيل.

وفي المشهد الحالي، فإن تصريحات نائب الرئيس فانس، التي تكشف بوضوح نظرة الولايات المتحدة إلى إسرائيل ونتنياهو، تُعد مهمة من حيث إظهار مكانة إسرائيل ليس فقط لدى الشعب الأمريكي، بل أيضاً داخل الساحة السياسية.

قصة فانس ومسيرته نحو الرئاسة

إن التباينات داخل الفريق المقرب من ترامب في ما يتعلق بالصراعات وطريقة النظر إلى القضايا تحمل أهمية حاسمة بالنسبة لانتخابات عام 2028.

فقد كان هناك داخل الإدارة من يدعو إلى الحرب ضد إيران، في حين كان آخرون يفضلون خيار التفاوض، وكانت الخلافات بين الطرفين مستمرة في الخفاء.

وقد أدى تسارع وتيرة المفاوضات وتبلور شروط وقف إطلاق النار إلى بروز شخصية واحدة بشكل إيجابي.

دخل فانس الحياة السياسية الأمريكية من خلال قصة ابن الريف التي رواها في كتابه «مرثية ريفية»، وتمكن خلال فترة قصيرة من تحقيق تقدم كبير في عالم السياسة، ليصبح اسماً مؤثراً في المشهد السياسي الأمريكي.

إن تخرج شاب من بيئة ريفية من جامعة ييل المرموقة، ثم تقديمه لاحقاً أطروحات حول مستقبل المشهد الاجتماعي والسياسي انطلاقاً من ظاهرة التفكك المجتمعي، كان له أثر مباشر في مسيرته السياسية.

وكانت قضية التفكك المجتمعي التي تناولها فانس في سيرته الذاتية نابعة في الأساس من تجربته الشخصية داخل أسرة هشة ومفككة.

فحياة والده المدمن على المخدرات، ووالدته التي تزوجت خمس مرات وعاشت حياة غير مستقرة، تركت آثاراً عميقة على حياته.

ولم يكن انضمام فانس، الذي يحمل رؤية فكرية مناهضة للنخب، إلى الدائرة المقربة من ترامب، رغم معارضته له في البداية، أمراً عشوائياً.

فالعالم الجديد الذي دخله عبر نخب وادي السيليكون أتاح له تسلق السلم بسرعة.

كما أن قيام بيتر ثيل، أحد أبرز شخصيات الوادي، بتعريف فانس على ترامب، منح مسيرته زخماً أكبر وسرّع من صعوده.

وفي الفترة الأخيرة، اعتنق فانس الكاثوليكية بتأثير من رجل الدين الدومينيكاني هنري ستيفن، وقد انعكست هويته الفكرية والمذهبية بوضوح على العديد من قراراته.

وتُعد الأطروحات ما بعد الليبرالية التي طرحها في كتاب «مرثية ريفية» لمواجهة التفكك المجتمعي، إلى جانب التحول اللاهوتي الذي مر به في السنوات الأخيرة، من أبرز المحطات في مسيرته.

ولا شك أن هذا الصعود يشكل أيضاً خطوة مهمة نحو المرحلة التالية من مسيرته، والمتمثلة في رئاسة الولايات المتحدة.

لقد أصبحت تصريحات فانس الأخيرة بشأن نتنياهو والسياسيين اليمينيين المتطرفين في حكومته مؤشراً حاسماً على مستقبل هذا الصعود.

فمنذ بداية الحرب، كان فانس يضع الخيار الدبلوماسي في مقدمة أولوياته، الأمر الذي جعله هدفاً للوبي الإسرائيلي.

كما أن قيام وسائل الإعلام الإسرائيلية خلال الفترة الأخيرة بتسريب العديد من المعلومات السرية المتعلقة بفانس بهدف تشويه صورته لدى الجمهوريين، يُعد دليلاً واضحاً على ذلك.

وقد تحول فانس، الذي وقف أيضاً في وجه محاولات إسرائيل هندسة مشروع تغيير النظام في إيران عبر الأكراد في المنطقة، إلى فاعل سياسي مختلف من خلال موقفه الواضح والحاد تجاه الحكومة اليمينية المتطرفة.

ويمكن اعتبار هذا الوضع مؤشراً على أن إسرائيل ستفقد مواقع نفوذها داخل الولايات المتحدة، سواء على المستوى البنيوي أو على مستوى الفاعلين السياسيين.

فالعلاقات التي اتسمت بالتوتر مع ترامب تحولت أيضاً إلى موقف يدعم تنامي المشاعر المناهضة لإسرائيل داخل المجتمع الأمريكي.

ويدرك فانس أن تقديم دعم غير مشروط لإسرائيل سيحمل كلفة سياسية، ولذلك يسعى إلى بناء مسيرته السياسية بشكل مستقل عن هذا النهج.

والسبب الرئيسي وراء بناء الهيكل الأساسي لهذا المقال حول فانس هو، بلا شك، إظهار حجم تأثيره في الظرف الراهن.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!