
محمد مظهر شاهين - فوكس بلس - ترجمة وتحرير ترك برس
اتفاق الدفاع الذي وُقِّع في الخليج لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تفاهم عسكري بين دولتين. فهذا الاتفاق يمثل مؤشراً مهماً على البحث عن منظومة أمنية جديدة فرضتها التطورات التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة. لم يعد من الممكن في الخليج الاستمرار وفق التوازنات القديمة، إذ بدأت دول المنطقة تعيد تعريف مفهومها للأمن، فيما تبرز تركيا بوصفها أحد أهم الفاعلين في هذه المرحلة الجديدة.
خلال فترة الحرب الأخيرة، تعرضت منطقة الخليج مراراً للاستهداف من جانب إيران، وهو ما أحدث تحولاً جدياً في نظرة ملايين السكان في المنطقة إلى أمنهم. ومن وجهة النظر الإيرانية، قد يقال إن الأهداف كانت القواعد الأمريكية. لكن بالنسبة إلى سكان الخليج، لا يحمل هذا التفسير المعنى نفسه؛ فهناك مدن ومنازل وعائلات وحياة يومية يعيشها الناس. ولا يمكن اختزال الغارات الجوية والتهديدات الصاروخية في عبارة من قبيل: «الهدف كان قاعدة أمريكية».
هذا الواقع دفع دول الخليج إلى إعادة التفكير في أمنها.
وفي الوقت نفسه، بات واضحاً أن الضمانات الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة للمنطقة تخضع بدورها لمراجعة جدية. فدول الخليج لم تعد ترغب في تسليم أمنها بالكامل إلى طرف واحد، بل تتجه نحو مفهوم جديد يقوم على تعزيز علاقاتها الدفاعية مع عدة دول، وتطوير قدراتها العسكرية الذاتية، وتنويع شراكاتها الإقليمية.
وهنا تحديداً تكتسب مكانة تركيا في الخليج أهمية خاصة.
ففي عام 2017، إبان الحصار الذي فُرض على قطر، لم تسمح تركيا بأن تُترك الدوحة وحدها، وعززت وجودها العسكري في المنطقة. وكانت الخطوة التركية آنذاك رسالة واضحة ضد محاولة تغيير موازين الخليج باستخدام القوة.
أما اليوم، فإن تركيا نفسها توقع اتفاقاً دفاعياً جديداً مع المملكة العربية السعودية.
قد يبدو الحدثان، للوهلة الأولى، منفصلين عن بعضهما، لكن فهم التحول في السياسة التركية تجاه الخليج يقتضي قراءتهما معاً. فتركيا تحافظ اليوم على علاقاتها الاستراتيجية مع قطر، وتتقارب في مجال الدفاع مع السعودية، وتعمل في الوقت ذاته على تطوير روابطها العسكرية مع الكويت. وبذلك، لم يعد الوجود العسكري التركي في الخليج مسألة يمكن تقييمها حصراً من زاوية العلاقة مع قطر.
أما الركيزة المهمة الأخرى في هذه المعادلة الجديدة فهي باكستان.
فالدعم الذي قدمته تركيا لباكستان خلال الحرب الباكستانية-الهندية في العام الماضي أظهر حجم العلاقة الاستراتيجية بين البلدين. كما أن الادعاءات التي تداولتها وسائل الإعلام الهندية حول مساهمة عناصر الحرب الإلكترونية التركية في تعزيز القدرات القتالية لباكستان، وما أعقب ذلك من تصريحات حادة، كشفت أن العلاقة التركية-الباكستانية باتت جزءاً من حسابات الأمن الإقليمي.
واليوم، لم يعد من الكافي أيضاً النظر إلى التقارب المتنامي بين تركيا وباكستان والسعودية باعتباره مجرد تطور في العلاقات بين ثلاث دول.
ففي سوريا، توجد مصالح متقاطعة تجمع تركيا والسعودية وقطر ومصر وباكستان. وفي ملف رفع العقوبات عن سوريا وإعادة إدماجها في النظام الإقليمي، تتحرك هذه الدول بدرجة كبيرة في الاتجاه نفسه. كما بدأت تظهر مساحات مشابهة من المصالح المشتركة في السودان والصومال.
أما اليمن، فقد يكون أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى هذه المعادلة الجديدة في المرحلة المقبلة.
فالتهديد الذي تمثله جماعة الحوثي لا يتعلق بأمن السعودية وحدها. أمن باب المندب يرتبط مباشرة بخطوط التجارة التي تصل الخليج بالبحر الأحمر، ومن ثم بالاستقرار الإقليمي بأسره. ولهذا قد تتحول التطورات في اليمن إلى أحد أبرز ميادين اختبار البنية الأمنية الجديدة.
وهنا ينبغي التوقف عند طبيعة اتفاق الدفاع الذي وُقِّع أمس.
فهذه البنية ليست تحالف حرب بالمعنى التقليدي، وإنما تقوم أساساً على مفهوم الدفاع. وهي تنطلق من أن التهديد الذي يستهدف أحد الشركاء يمس أمن بقية الشركاء أيضاً، وأن الدفاع المشترك يمكن أن يتحول، عند الضرورة، إلى آلية عملية.
لذلك، ليس من الدقة اختزال مفهوم الأمن الجديد الذي يتشكل في كونه تحالفاً موجهاً ضد إيران فقط. فدول الخليج تأخذ في حساباتها، من جهة، التهديدات الصادرة عن الحرس الثوري الإيراني والقوى الوكيلة التابعة له، والحوثيين، وسائر الجماعات المسلحة في المنطقة؛ لكنها، من جهة أخرى، تضع في الاعتبار أيضاً المخاطر الأمنية الناجمة عن السياسات الإسرائيلية.
وهنا تحديداً تبرز الفرصة المتاحة أمام تركيا.
فالوجود العسكري والدبلوماسي التركي في المنطقة يتكامل مع قدرة أنقرة على إقامة علاقات متزامنة مع أطراف مختلفة. تستطيع تركيا اتخاذ موقف تجاه التهديدات المرتبطة بإيران من دون أن تقطع علاقاتها مع طهران بالكامل، كما تستطيع الحفاظ على موقفها من السياسات الإسرائيلية في المنطقة، وفي الوقت نفسه تعميق علاقاتها الدفاعية مع دول الخليج.
ولهذا، لا ينبغي تقييم الدور التركي في الخليج خلال المرحلة المقبلة من زاوية القدرة العسكرية وحدها.
فالمطلوب من تركيا ليس بناء مجال نفوذ جديد أو توظيف دولة ضد أخرى، وإنما استخدام ما تملكه من إمكانات لتعزيز مناخ الأخوة في الخليج، وحماية السلام الإقليمي، والإسهام في ضمان أمن دول المنطقة.
إن مرحلة جديدة تبدأ في الخليج.فالوجود العسكري التركي الذي بدأ من قطر، واتفاق الدفاع الجديد مع السعودية، والعلاقات المتطورة مع الكويت، والشراكة الاستراتيجية مع باكستان، كلها قد تتحول في المرحلة المقبلة إلى أجزاء من بنية أمنية إقليمية أوسع.
والسؤال الأساسي هو: كيف ستستثمر تركيا هذه الفرصة؟
إذا استطاعت أنقرة الجمع بين قوتها العسكرية وقدراتها الدبلوماسية، والاستجابة للاحتياجات الأمنية لدول المنطقة على أساس الأخوة والسلام والأمن المشترك، فإنها لن تصبح مجرد شريك عسكري جديد في الخليج، بل قد تتحول إلى أحد الأعمدة الأساسية للسلام الإقليمي.
الموازين في الخليج تتغير، أما الفرصة التاريخية المتاحة أمام تركيا فلا تكمن في أن تكون طرفاً في هذا التغيير فحسب، بل في أن تسهم في بناء نظام جديد للأمن والسلام في المنطقة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس











