د. عثمان غازي قندمير - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس

تستعد إسرائيل لإجراء واحدة من أكثر الانتخابات أهمية خلال السنوات الأخيرة.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذه الانتخابات مجرد منافسة سياسية عادية ستحدد ما إذا كان بنيامين نتنياهو سيبقى في السلطة أم لا.

غير أن الصورة أعمق من ذلك. فالانتخابات المقبلة تمثل، في جوهرها، استفتاء على نوع الدولة التي يريدها المجتمع الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وعلى مفهوم الأمن الذي يريده، وعلى شكل السياسة الخارجية التي يتطلع إليها.

فما الذي سيصوت عليه الناخب هذه المرة؟

على مدى سنوات طويلة، احتلت قضية الأمن موقع الصدارة في السياسة الإسرائيلية، متقدمة على جميع القضايا الأخرى.

فقد ظلت المشكلات الاقتصادية، والتوترات الاجتماعية، والخلافات الدبلوماسية، في الغالب، تحت وطأة الهواجس الأمنية. إلا أن هذه الملفات لم تعد اليوم منفصلة عن بعضها.

فقد فتح الحرب على غزة الباب أمام نقاش لا يقتصر على الأمن وحده، بل يشمل أيضا قدرة الدولة على الإدارة، وصمودها الاقتصادي، ومكانتها الدولية.

ولهذا السبب، لا تقتصر الحملة الانتخابية على المواجهة مع حركة حماس فحسب، بل إن سؤال كيفية إدارة إسرائيل بعد الحرب أصبح يحظى بأهمية لا تقل عن قضية الأمن.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الكتلة اليمينية والكتلة الأرثوذكسية المتشددة بقيادة بنيامين نتنياهو تواجهان خطر فقدان الأغلبية في الكنيست.

وفي المقابل، لا يزال من غير الواضح كيف يمكن للمعارضة أن تتوحد.

فالبنية السياسية المجزأة، التي هيمنت على الحياة السياسية الإسرائيلية لفترة طويلة، ما تزال قائمة.

ولهذا السبب، ستظل مفاوضات تشكيل الائتلافات عاملا حاسما حتى بعد الانتخابات.

وتتمثل أفضلية المعارضة في الوقت الراهن في نجاحها في الالتقاء على أرضية سياسية مشتركة.

فالتحالف الذي شكله نفتالي بينيت ويائير لابيد، إلى جانب الحزب الصاعد بسرعة بقيادة رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، يحاول جمع شرائح انتخابية مختلفة حول هدف واحد.

ويتمثل هذا الهدف في إبعاد نتنياهو عن السلطة، وإعادة بناء الثقة بمؤسسات الدولة.

واللافت هنا أن المعارضة لا تتبنى نهجا أكثر ليونة من نتنياهو في القضايا الأمنية.

بل على العكس، يتمتع آيزنكوت، على وجه الخصوص، بثقة مجتمعية قوية في المجال الأمني بفضل خلفيته العسكرية.

ولم يعد الجدل يدور حول ما إذا كان ينبغي استخدام القوة العسكرية، بل حول الأهداف السياسية التي ينبغي توظيف هذه القوة من أجلها.

ويعد الجدل بشأن إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية أحد أهم نقاط التحول في هذه الانتخابات.

فمع اندلاع الحرب على غزة، بدأ الجيش الإسرائيلي يعاني نقصا كبيرا في أفراده.

ومع ذلك، فإن استمرار إعفاء عشرات الآلاف من الشباب اليهود المتشددين من الخدمة العسكرية ألحق ضررا بإحساس العدالة لدى شرائح واسعة من المجتمع.

وفي الوقت الذي يقضي فيه جنود الاحتياط أشهرا على خطوط القتال، فإن إعداد الحكومة ترتيبات جديدة للإعفاء بهدف الحفاظ على أحزاب الحريديم داخل الائتلاف، زاد من الانتقادات التي ترى أن أعباء الحرب لا تُوزع بصورة عادلة.

وقد انعكس هذا الجدل سياسيا على الحكومة أيضا. فاستقالة يولي إدلشتاين، أحد أبرز قيادات حزب الليكود، احتجاجا على قيادة الحزب، تشير إلى أن هيمنة نتنياهو على القاعدة التقليدية لليمين المحافظ بدأت تضعف هي الأخرى.

ويبرز الاقتصاد بوصفه ثاني أكبر عامل مؤثر في سلوك الناخبين.

فعلى الرغم من احتفاظ الاقتصاد الإسرائيلي بحيويته في قطاع التكنولوجيا، فإن كلفة الحرب تتزايد باطراد.

كما أن ارتفاع الإنفاق الدفاعي، وزيادة أسعار المساكن، وغلاء المعيشة، تؤثر بصورة مباشرة في شرائح واسعة من المجتمع.

أما المشكلات الهيكلية فتعود إلى ما قبل الحرب بوقت طويل. فقد جعلت السياسات الزراعية الحمائية، وضعف المنافسة، وارتفاع تكاليف الاستيراد، إسرائيل بلدا أكثر غلاء من كثير من الدول الأوروبية ذات مستويات الدخل المماثلة.

ولا ينفصل هذا الواقع الاقتصادي عن النقاشات الأمنية. فكلما ارتفعت كلفة الحرب طويلة الأمد، ازدادت أهمية السؤال المتعلق بكيفية استخدام الموارد العامة.

كما أصبحت السياسة الخارجية، مقارنة بالانتخابات السابقة، أكثر حضورا على جدول النقاش.

فعلى مدى سنوات طويلة، اعتاد الرأي العام الإسرائيلي النظر إلى الانتقادات الدولية من منظور أمني إلى حد كبير.

غير أن العزلة الدبلوماسية التي برزت بعد الحرب على غزة بدأت تغير نظرة شريحة من الناخبين.

ولم يعد النقاش يدور حول ما إذا كان المجتمع الدولي يحب إسرائيل أم لا، بل حول الكيفية التي تؤثر بها علاقات البلاد مع أهم شركائها الاستراتيجيين في أمنها القومي.

وتكتسب العلاقات مع الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، أهمية حاسمة في هذا السياق.

فالمساعدات العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والدعم الدبلوماسي في الأمم المتحدة، تشكل جميعها ركائز أساسية في المنظومة الأمنية الإسرائيلية.

ولهذا السبب، تعد المعارضة بإعادة العلاقات مع واشنطن إلى إطار مؤسسي يحظى بدعم الحزبين، بدلا من ربطها بالعلاقات الشخصية بين القادة.

وبحسب ما أفهمه، فإن هذا النهج يعكس الأولويات المتغيرة لدى الناخبين.

فالمجتمع الإسرائيلي لا يريد التخلي عن قوة الردع العسكرية.

لكنه، في الوقت نفسه، بدأ يناقش بصورة أكبر أن الشرعية الدولية تمثل جزءا لا يتجزأ من القوة الوطنية.

وفي الواقع، تكشف أحدث استطلاعات الرأي أن شريحة مهمة من ناخبي يمين الوسط أصبحت تنظر بإيجابية أكبر، مقارنة بالسنوات الماضية، إلى مسار التطبيع الإقليمي والانفتاح الدبلوماسي، شريطة توافر الظروف الأمنية.

ويشير ذلك إلى تحول هادئ، لكنه مهم، في السياسة الإسرائيلية.

فلم يعد يُنظر إلى الأمن والدبلوماسية على أنهما بديلان أحدهما للآخر، بل باعتبارهما عنصرين متكاملين.

وفي المحصلة، فإن الانتخابات المقبلة لن تقتصر على اختيار حكومة جديدة.

فالنتيجة التي ستسفر عنها صناديق الاقتراع ستحدد أيضا النموذج الذي ستتبناه إسرائيل كدولة في مرحلة ما بعد الحرب.

ويكشف اتساع دائرة النقاش، من إعفاء الحريديم، إلى غلاء المعيشة، ومن الإصلاحات المؤسسية، إلى العلاقات مع الولايات المتحدة، أن المجتمع الإسرائيلي بدأ يشكك في آلية عمل الدولة بقدر ما يناقش قضايا الأمن.

ولهذا السبب، تحمل انتخابات عام 2026 دلالة تتجاوز مجرد استمرار حقبة نتنياهو أو انتهائها.

ويبقى السؤال الحقيقي هو: كيف ستعيد إسرائيل تعريف سياستها القائمة على الأمن بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول؟

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!