ترك برس

يرى الكاتب والخبير التركي حقي أوجال أن القضية النووية باتت واحدة من أهم أزمات النظام الدولي الراهن، في ظل استمرار امتلاك عشر دول تقريباً أسلحة نووية، بينما تتعرض دول أخرى لضغوط شديدة عندما تسعى إلى تطوير قدراتها النووية، معتبراً أن هذا التناقض يكشف عن طبيعة النظام الدولي الذي تسعى القوى الكبرى إلى إبقائه تحت سيطرتها.

وفي مقال بصحيفة «ملييت»، ينطلق أوجال من سؤال يراه مشروعاً ومباشراً: إذا كانت هناك دول عدة تمتلك الأسلحة النووية، فلماذا تعارض الولايات المتحدة بشدة حصول دول أخرى عليها؟

ويشير الكاتب إلى إجابة حظيت بأكبر قدر من التأييد في استطلاع إلكتروني حول المسألة، ومفادها أن الولايات المتحدة تمتلك خططاً واستراتيجيات للتعامل مع القوى النووية القائمة، لكنها لا تريد ظهور منافسين جدد لا تعرف كيف ستتعامل معهم.

وبغض النظر عن بساطة هذه الإجابة، يرى أوجال أنها تلامس جوهر المشكلة: الأسلحة النووية لا تمثل بالنسبة إلى القوى الكبرى مجرد وسيلة عسكرية، وإنما أداة لإدارة ميزان القوة العالمي ومنع خصوم جدد من امتلاك قدرة ردع مستقلة.

الولايات المتحدة وازدواجية النظام النووي

يذكّر الكاتب بأن الولايات المتحدة أجرت أول تجربة نووية في يوليو/تموز 1945، ثم أصبحت بعد شهر واحد أول دولة تستخدم السلاح النووي في حرب، عندما ألقت قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناغازاكي في اليابان.

وبحسب الأرقام التي يستشهد بها، تمتلك روسيا أكبر ترسانة نووية مع نحو 5459 رأساً حربياً، تليها الولايات المتحدة بنحو 5277 رأساً، فيما تشمل الدول الأخرى الصين وفرنسا وبريطانيا والهند وباكستان وإسرائيل وكوريا الشمالية.

وتبرز في هذا السياق أهمية الوجود النووي الأميركي في أوروبا، إذ تنتشر أسلحة نووية أميركية ضمن ترتيبات حلف شمال الأطلسي «الناتو» في دول من بينها تركيا وإيطاليا وبلجيكا وألمانيا وهولندا.

ولا يرى أوجال في ذلك مجرد تفصيل عسكري، بل يعتبره جزءاً من النظام الذي يسمح لقوى بعينها بالاحتفاظ بالقدرة النووية، في الوقت الذي يتم فيه التعامل مع أي محاولة من أطراف أخرى للحصول على قدرة مماثلة باعتبارها تهديداً للأمن الدولي.

الردع لا الحرب النووية

لكن الكاتب يرفض النظر إلى الأسلحة النووية باعتبارها أسلحة صممت أساساً للاستخدام في الحروب، موضحاً أن وظيفتها الأهم، في رأيه، تتمثل في الردع.

ويقول إن امتلاك السلاح النووي يهدف قبل كل شيء إلى منع الطرف الآخر من استخدامه، لأن إدراك كل طرف لحجم الدمار الذي يمكن أن يلحق به في حال اندلاع حرب نووية يجعل قرار البدء بها بالغ الصعوبة.

ويربط أوجال هذه الفكرة بنظرية «الحرب العادلة» أو Bellum iustum، وهي نظرية أخلاقية في فلسفة الحرب تبحث في الشروط التي تجعل خوض الحرب مشروعاً، وكذلك القواعد الأخلاقية التي ينبغي الالتزام بها أثناء الحرب وبعد انتهائها.

ويقسم المفكرون العسكريون والفلاسفة هذه النظرية عادة إلى مبدأين أساسيين: الحق في الدخول في الحرب (jus ad bellum) والالتزام بالسلوك العادل أثناء الحرب (jus in bello).

ويشير الكاتب إلى أن صمويل هنتنغتون أضاف إلى ذلك بعداً ثالثاً يتعلق بعدالة الوضع الذي ينشأ بعد انتهاء الحرب، معتبراً أن هذا المعيار يجعل الحرب النووية إشكالية بصورة خاصة، لأن نتائجها الكارثية لا يمكن أن تقود، في تقديره، إلى «نهاية عادلة».

ومن هنا، يرى أوجال أن الدولة التي تواجه قوة نووية ينبغي أن تراعي قدرة الخصم على إعادة بناء ترسانته، وأن تتجنب اللجوء إلى خيار نووي يمكن أن يؤدي إلى تدمير متبادل واسع النطاق.

هل انتهى النظام النووي القديم؟

لكن الكاتب يحذر من أن منطق الردع النووي التقليدي يواجه اليوم اختباراً جديداً.

فالنظام الذي نشأ خلال الحرب الباردة، والقائم على توازن الردع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ثم روسيا، لم يعد مستقراً بالدرجة نفسها، مع دخول الصين بقوة في سباق التسلح الاستراتيجي، وتصاعد المخاوف في شرق آسيا والشرق الأوسط من مستقبل الضمانات الأمنية الأميركية.

ويشير أوجال إلى أن كوريا الجنوبية واليابان تواجهان نقاشات متزايدة حول إمكانية تطوير قدرات نووية محلية، في ظل تنامي القدرات النووية لكوريا الشمالية وتغير الحسابات الأمنية في المنطقة.

كما يلفت إلى انتهاء مدة معاهدة «ستارت» الجديدة الخاصة بالحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا، بالتزامن مع رفض الصين الانخراط في مفاوضات تقليدية للحد من الأسلحة النووية على غرار الاتفاقات الأميركية الروسية.

وتعني هذه التطورات، في رأيه، أن العالم قد يكون أمام بداية سباق نووي جديد، حتى لو لم يظهر ذلك دائماً في صورة برامج معلنة للحصول على القنبلة.

الشرق الأوسط يدخل الحسابات النووية

ويرى أوجال أن الشرق الأوسط يمثل أحد أبرز المجالات التي يمكن أن تظهر فيها تداعيات هذا التحول.

ويستشهد بالسعودية، التي تسعى منذ سنوات إلى تطوير برنامج نووي مدني، لكنه يربط النقاش حول البرنامج بالسياق السياسي والأمني الأوسع في المنطقة، ولا سيما التطورات المرتبطة بإسرائيل والاتفاقات الإقليمية.

ويشير الكاتب إلى أن الرياض واجهت قيوداً وشروطاً مرتبطة بمسار التعاون النووي، في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل امتلاك قدرات نووية غير معلنة رسمياً، بينما تمتلك باكستان ترسانة نووية معلنة.

ومن هنا ينتقل أوجال إلى ميثاق مكة بين تركيا وباكستان والسعودية، معتبراً أن امتلاك باكستان للسلاح النووي يمثل عاملاً مهماً لفهم الحسابات الأمنية التي تقف وراء الاتفاق الثلاثي.

ففي رأيه، لا يمكن فصل التحالف الأمني الجديد عن واقع إقليمي أصبحت فيه مسألة الردع الاستراتيجي أكثر حضوراً، خصوصاً مع استمرار الصراعات والتدخلات العسكرية وتراجع الثقة لدى بعض دول المنطقة بالضمانات الخارجية.

وكانت تركيا وباكستان والسعودية قد وقعت «ميثاق مكة للدفاع المشترك»، الذي يقوم على مبدأ اعتبار أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً، في خطوة تعكس رغبة في تطوير آليات أمنية إقليمية أكثر استقلالاً.

لماذا ترتبط القضية النووية بميثاق مكة؟

يعتبر أوجال أن هذه النقطة هي مفتاح فهم السؤال الذي طرحه في بداية مقاله حول سبب محاولة الولايات المتحدة منع انتشار السلاح النووي إلى دول جديدة.

فبحسب قراءته، كلما امتلكت دولة أو مجموعة من الدول قدرة مستقلة على الردع، تراجعت قدرة القوى الكبرى على التحكم في البيئة الأمنية المحيطة بها.

وفي الشرق الأوسط تحديداً، يمكن أن يؤدي ظهور ترتيبات أمنية إقليمية جديدة إلى تقليص اعتماد دول المنطقة على المظلة الأميركية، وهو ما يجعل «ميثاق مكة» مهماً، في نظر الكاتب، حتى لو لم يكن اتفاقاً نووياً ولم ينص على إنشاء مظلة نووية مشتركة.

ويذهب أوجال إلى أن وجود باكستان النووية داخل هذا الترتيب يمنح الاتفاق وزناً استراتيجياً مختلفاً؛ فإسلام آباد لا تحتاج إلى تطوير القدرة النووية من الصفر، وإنما تمتلك بالفعل ترسانة يمكن أن تؤثر في حسابات الردع الإقليمية.

وهذا لا يعني، بالضرورة، أن الاتفاق الثلاثي يشكل تحالفاً نووياً أو أن الدول الموقعة تتجه إلى بناء برنامج نووي مشترك، وإنما يعني أن القدرات الاستراتيجية القائمة لدى أطرافه تدخل بصورة طبيعية في حسابات الأمن الإقليمي.

إسرائيل وسوريا.. خلفية تعيد طرح السؤال

ويربط الكاتب في نهاية تحليله بين القضية النووية والتوترات الأخيرة في المنطقة، ولا سيما الهجمات الإسرائيلية على سوريا.

فالتدخلات العسكرية الإسرائيلية المتكررة في الأراضي السورية، بحسب أوجال، أعادت طرح أسئلة أوسع حول قدرة دول المنطقة على حماية سيادتها، وحول مدى اعتمادها على القوى الخارجية في مواجهة التهديدات.

ومن هذا المنظور، يرى أن النقاش حول «ميثاق مكة» لا ينبغي اختزاله في سؤال ما إذا كان اتفاقاً دفاعياً محدوداً بين ثلاث دول، وإنما يجب وضعه ضمن التحول الأوسع في مفهوم الأمن الإقليمي.

فالدول التي تشعر بأن النظام الأمني القائم لا يوفر لها ضمانات كافية قد تتجه إلى تنويع شراكاتها، وتعزيز قدراتها الذاتية، وبناء ترتيبات إقليمية للردع والدفاع.

نحو سباق نووي جديد؟

ويحذر أوجال من أن العالم قد يكون أمام مرحلة مختلفة عن تلك التي أعقبت الحرب الباردة، حيث لم يعد انتشار القدرات النووية محصوراً في التنافس التقليدي بين واشنطن وموسكو.

فالصين تتوسع نووياً، والهند وباكستان تمتلكان قدرات استراتيجية، وكوريا الشمالية تواصل تطوير برنامجها، بينما تتزايد النقاشات في كوريا الجنوبية واليابان بشأن الخيارات الأمنية المستقبلية.

وفي الشرق الأوسط، تظل إسرائيل قوة نووية غير معلنة، بينما تسعى دول أخرى إلى تطوير قدراتها النووية المدنية، وسط بيئة أمنية مضطربة.

ويرى الكاتب أن هذه المعطيات تجعل مسألة «من يملك السلاح النووي ومن يُمنع من امتلاكه» واحدة من أكثر الأسئلة حساسية في النظام الدولي.

ويخلص أوجال إلى أن «المسألة النووية» هي، في جوهرها، مسألة توازن قوة وردع وسيادة على القرار الأمني، وليست مجرد نقاش حول الأسلحة.

ومن هنا، يرى أن الأسئلة التي تطرحها التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، بما فيها الهجمات الإسرائيلية على سوريا وظهور ترتيبات أمنية جديدة مثل «ميثاق مكة»، لا يمكن فهمها بمعزل عن التحولات الجارية في النظام النووي العالمي.

فكلما تراجعت الثقة بالضمانات التي تقدمها القوى الكبرى، زادت رغبة الدول في امتلاك أدوات مستقلة لحماية أمنها. وبحسب أوجال، فإن هذا هو السبب الذي يجعل القضية النووية تتجاوز حدود القنبلة نفسها لتصبح واحدة من أهم قضايا النظام الدولي في المرحلة الراهنة.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!