
ترك برس
يرى الكاتب التركي ندرت إرسانيل أن «ميثاق مكة» بين تركيا وباكستان والسعودية يتجاوز كونه اتفاقاً أمنياً بين ثلاث دول، ليشكل مؤشراً على تحولات أوسع في موازين القوى العالمية والإقليمية، مشيراً إلى أن بكين تنظر إلى الاتفاق بإيجابية باعتباره انعكاساً لما تصفه بتراجع نسبي في قدرة الولايات المتحدة على ضمان أمن حلفائها، واتجاهاً متزايداً نحو نظام دولي متعدد الأقطاب.
وفي مقال بصحيفة «يني شفق»، يقول إرسانيل إن أهمية التحالف التركي الباكستاني السعودي تكمن في قدرته على فتح قنوات جديدة تمتد من غرب آسيا إلى منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى، وصولاً إلى المجال الدولي الأوسع، بدلاً من بقائه محصوراً في الحسابات السياسية للدول الأعضاء.
ويشير الكاتب إلى أن التطورات التي أعقبت توقيع الاتفاق، ولا سيما اتساع دائرة الاهتمام به إقليمياً ودولياً، تظهر أن «ميثاق مكة» بات جزءاً من حسابات التنافس بين الولايات المتحدة والصين، حتى وإن لم يكن موجهاً بصورة مباشرة ضد أي من القوتين.
لماذا تهتم الصين بالاتفاق؟
ويطرح إرسانيل سؤالاً أساسياً: كيف تنظر الصين إلى اتفاق تتحرك فيه دول ترتبط في الوقت نفسه بعلاقات مع الولايات المتحدة والغرب، فيما تعد بكين منافساً استراتيجياً رئيسياً لواشنطن؟
ويقول إن الإجابة قد تبدو مفاجئة، إذ يرى أن الصين تنظر إلى «ميثاق مكة» بوصفه أحد المظاهر الواضحة لما تعتبره «ضعفاً متزايداً» في القوة الأميركية، بل وتتعامل معه بإيجابية.
ويعزو ذلك إلى الأهمية الاستراتيجية التي توليها بكين للدول والمناطق المرتبطة بالاتفاق. فالصين تنظر إلى الخليج وإيران باعتبارهما جزءاً أساسياً من حساباتها الإقليمية، وتولي باكستان أهمية كبيرة ضمن استراتيجيتها، كما ترتبط بمشاريع اقتصادية وسياسية ضخمة في المنطقة، وفي مقدمتها مبادرة «الحزام والطريق».
ومن ثم، فإن أي إعادة تشكيل لمعادلات الأمن والنقل والطاقة في غرب آسيا وآسيا الوسطى لا يمكن أن تمر، بحسب الكاتب، من دون أن تحظى باهتمام صيني مباشر.
واشنطن وحلفاؤها أمام اختبار الثقة
ويستدل إرسانيل على القراءة الصينية لما يسميه «ضعف النفوذ الأميركي» بالتطورات الأخيرة في شرق آسيا، ولا سيما العلاقة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.
ويشير إلى أن مقترحات أميركية تتعلق بخفض الوجود العسكري الأميركي في كوريا الجنوبية وتقليص الإنفاق الدفاعي والمناورات المشتركة، إلى جانب مطالبة سيول بتحمل تكاليف أكبر للوجود الأميركي، دفعت كوريا الجنوبية إلى إجراء اتصالات مع الصين.
ويرى الكاتب أن هذه التحركات لا تعني بالضرورة تحولاً جذرياً في السياسة الكورية الجنوبية، لكنها تعكس، في رأيه، حالة من عدم اليقين تجاه مدى استقرار الضمانات الأمنية الأميركية.
ويضيف أن الحديث عن احتمال انفتاح واشنطن على كوريا الشمالية، ورغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في عقد لقاء جديد مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، يفاقم المخاوف لدى حلفاء واشنطن في المنطقة.
وبغض النظر عن مدى تحقق السيناريوهات المتداولة بشأن مستقبل الوجود العسكري الأميركي في شبه الجزيرة الكورية، فإن إرسانيل يرى أن الرسالة الأهم تتمثل في أن حلفاء الولايات المتحدة بدأوا يتعاملون مع احتمال تغير أولويات واشنطن باعتباره عاملاً ينبغي التحوط له.
من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط
ويضع الكاتب التطورات في كوريا الجنوبية واليابان والهند ضمن سياق أوسع، يتمثل في سعي دول متوسطة وقوى إقليمية إلى تنويع مصادر الأمن والشراكات بدلاً من الاعتماد على قوة واحدة.
ويقول إن تراجع الهيمنة الأميركية العالمية ليس أمراً جديداً، لكنه يعتقد أن المرحلة الراهنة تفتح أمام الدول المتوسطة «فرصة استثنائية» لحماية مصالحها وتعزيزها من خلال سياسات أكثر استقلالية وتنوعاً.
وفي هذا الإطار، يرى أن «ميثاق مكة» ينسجم مع رؤية تركية تقوم على أن دول المنطقة ينبغي أن تتولى بنفسها معالجة مشكلاتها الأمنية والسياسية، بدلاً من تركها للقوى الخارجية، التي قد تؤدي تدخلاتها إلى إنتاج أزمات أكبر.
ويعتبر إرسانيل أن هذا هو تحديداً السياق الذي قرأت من خلاله الصين الاتفاق الثلاثي؛ أي باعتباره خطوة باتجاه «الملكية الإقليمية» للأمن، وتراجع الاعتماد على نظام تهيمن عليه قوة عظمى واحدة.
تركيا من عضو في الناتو إلى لاعب أمني إقليمي
ويستشهد الكاتب بما نشرته صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية المقربة من الحزب الشيوعي الصيني، والتي اعتبرت أن المبادرة التركية السعودية الباكستانية ستؤدي إلى إعادة رسم الخريطة الإقليمية، وأنها قد تدفع دول الخليج إلى الابتعاد تدريجياً عن الاعتماد الأحادي على قوة واحدة، والتحرك نحو سياسة توازن تقوم على تعدد الشراكات.
وبحسب إرسانيل، فإن الصحيفة الصينية ترى أيضاً أن الاتفاق يمكن أن يشكل خطوة مهمة في انتقال تركيا من موقع «العضو الطرفي في حلف الناتو» إلى دور أكثر مركزية باعتبارها أحد أهم أركان البنية الأمنية في العالم الإسلامي.
وهذه القراءة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة لأنقرة، التي تعمل خلال السنوات الأخيرة على توسيع علاقاتها الدفاعية والأمنية مع دول آسيوية وعربية وإسلامية، بالتوازي مع استمرار عضويتها في الناتو.
ومن هذا المنظور، لا يرى الكاتب أن «ميثاق مكة» مجرد اتفاق دفاعي محدود، وإنما أداة تمنح تركيا، بحسب تقديره، مساحة أوسع للمناورة الاستراتيجية وتطوير علاقاتها مع العالم الإسلامي، مع الحفاظ على خياراتها المفتوحة مع القوى الدولية المختلفة.
الصين لا ترى «ميثاق مكة» نسخة من الناتو
مع ذلك، يشير إرسانيل إلى أن بكين لا تتعامل مع الاتفاق باعتباره تحالفاً عسكرياً على غرار الناتو.
فبحسب القراءة التي ينقلها، لا تتوقع الصين أن تتجه الدول الموقعة بالضرورة إلى تدخل عسكري مباشر في أي أزمة مستقبلية، ولا ترى أن الاتفاق وصل بعد إلى مستوى الالتزام الدفاعي الجماعي الذي يميز التحالفات العسكرية التقليدية.
لكن أهميته، في نظر الكاتب، تكمن في الوظيفة الاستراتيجية الأوسع: تنويع مصادر الأمن وتقاسم المخاطر.
فالدول التي لم تعد واثقة بصورة كاملة من استمرار الضمانات الأميركية، وفق هذا التحليل، لا تتجه بالضرورة إلى قطع علاقاتها مع واشنطن، وإنما تسعى إلى بناء خيارات إضافية تمنحها هامشاً أكبر في مواجهة الأزمات المحتملة.
وهنا يضع إرسانيل دول الشرق الأوسط في المسار نفسه الذي يرى أن كوريا الجنوبية واليابان والهند تسلكه، أي تنويع الشراكات الأمنية والاستراتيجية بدلاً من الارتهان الكامل لقوة واحدة.
«ميثاق مكة» في قلب التحول الإقليمي
ويؤكد الكاتب أن الاتفاق الثلاثي يحمل أيضاً دلالة سياسية بالنسبة إلى تركيا، باعتباره تعبيراً عن رغبة أنقرة في بناء علاقات أكثر عمقاً مع العالمين العربي والإسلامي، وزيادة قدرتها على المناورة في الملفات الإقليمية.
وكانت تركيا وباكستان والسعودية قد وقعت في مكة المكرمة، في 7 أغسطس/آب 2026، «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، الذي ينص على أن أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث يعد اعتداءً عليها جميعاً، في إطار تعزيز التعاون الدفاعي والأمني بينها.
وتأتي هذه الخطوة في بيئة إقليمية تشهد إعادة ترتيب للتحالفات، بالتزامن مع تنامي المخاوف بشأن مستقبل الالتزامات الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط وآسيا، وتزايد توجه عدد من الدول إلى تنويع علاقاتها مع قوى مثل الصين وروسيا وتركيا، دون التخلي بالضرورة عن علاقاتها التقليدية مع الولايات المتحدة.
ويرى إرسانيل أن هذه البيئة تمنح الاتفاق الثلاثي أهمية تتجاوز حدوده الجغرافية المباشرة، خصوصاً أن تركيا والسعودية وباكستان تمتلك كل منها علاقات واسعة مع قوى دولية وإقليمية مختلفة.
هل يمكن الوثوق بالدعم الغربي؟
لكن الكاتب لا يتجاهل السؤال الذي يفرض نفسه حول طبيعة الدعم الغربي للاتفاق، وما إذا كان تأييد الولايات المتحدة أو بريطانيا، إن وجد، يعني أن المسار الجديد يصب بالضرورة في مصلحة تركيا.
ويقول إن هذا السؤال مشروع، ويجب التعامل معه بحذر، لأن مصالح القوى الكبرى ليست متطابقة بالضرورة مع مصالح الدول الإقليمية، كما أن دعم واشنطن لأي ترتيب أمني قد يكون مرتبطاً بحساباتها الخاصة تجاه الصين أو إيران أو روسيا.
إلا أن إرسانيل يركز في مقاله على زاوية أخرى، هي كيفية قراءة الصين لهذا التطور، ويرى أن بكين لا تنظر إليه باعتباره مجرد تحرك تكتيكي محدود، بل كجزء من عملية انتقال تدريجي من نظام تهيمن عليه قوة عظمى إلى بيئة أكثر تعدداً في مراكز القوة.
السؤال الأكبر: ماذا لو تراجعت الضمانات الأميركية؟
وفي ختام تحليله، يطرح إرسانيل السؤال الأوسع المتعلق بمستقبل الدور الأميركي: إذا كانت الولايات المتحدة تواجه صعوبة متزايدة في تقديم ضمانات أمنية موثوقة لحلفائها في الشرق الأوسط وآسيا، وإذا كانت بعض سياساتها تتجه نحو تقليص الالتزامات أو إعادة توزيعها، فكيف ستتمكن من الحفاظ على توازنها ونفوذها العالمي؟
وبحسب رؤية الكاتب، فإن «ميثاق مكة» ينبغي فهمه ضمن هذه البيئة الدولية المتغيرة. فالمسألة لا تتعلق فقط بتركيا وباكستان والسعودية، وإنما باتجاه أوسع تتجه فيه دول عديدة إلى تنويع مصادر القوة والأمن، وتقليل الاعتماد على الضمانات الأحادية، وبناء ترتيبات إقليمية أكثر استقلالاً.
ومن هذه الزاوية، فإن الترحيب الصيني بالاتفاق، وفق إرسانيل، لا يعني بالضرورة أن بكين تعتبره تحالفاً موجهاً ضد واشنطن أو مشروعاً صينياً بديلاً، وإنما يعكس قناعة بأن النظام الدولي يتحول تدريجياً إلى بيئة متعددة الأقطاب، وأن القوى الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا، باتت تمتلك مساحة أكبر لصياغة ترتيباتها الأمنية وفق مصالحها الخاصة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










