ترك برس

يرى الكاتب التركي سليمان سيفي أوغون أن الولايات المتحدة لم تخرج من المواجهة الأخيرة مع إيران منتصرة، بل وجدت نفسها في وضع أكثر تعقيداً، بعدما وقعت، وفق وصفه، في «مصيدة الذئب» التي جعلت خياراتها العسكرية والسياسية والاقتصادية أكثر ضيقاً.

وفي مقال بصحيفة «يني شفق»، يستخدم أوغون استعارة المصارعة لوصف المشهد، قائلاً إن أياً من الطرفين لم يتعرض لـ«التثبيت» الحاسم، لكن الولايات المتحدة وقعت في وضع أسوأ من الهزيمة التقليدية، لأنها باتت عاجزة عن التحرك بحرية، وكل محاولة للخروج من المأزق قد تستنزفها أكثر.

ويضع الكاتب مضيقي هرمز وباب المندب في قلب هذه «المصيدة»، معتبراً أن إيران نجحت في استثمار الجغرافيا والقدرات العسكرية والضغوط على طرق الطاقة والتجارة بما جعل واشنطن أمام خيارات محدودة.

إيران تضيق هامش المناورة الأميركية

بحسب قراءة أوغون، دخلت الولايات المتحدة المواجهة وهي تراهن على قدرتها العسكرية الهائلة، لكنها وجدت أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية.

ويشير إلى أن القوات الأميركية باتت، وفق تقديره، أمام استنزاف متزايد، في حين لم تبدُ واشنطن قادرة على الانتقال إلى عملية برية واسعة. كما يرى أن حلفاء الولايات المتحدة لم يظهروا استعداداً لتحمل تبعات مغامرة عسكرية أوسع، بينما حاولت واشنطن الوصول إلى اتفاق يتيح لها الخروج من الأزمة، لكن إسرائيل، بحسب الكاتب، كانت في كل مرة تعرقل هذا المسار.

ومن هنا يفسر أوغون التصريحات المتناقضة للرئيس الأميركي دونالد ترامب والتحولات المتكررة في السياسة الأميركية باعتبارها، في استعارة أخرى، محاولات مصارع يائس للخروج من قبضة خصمه.

السلاح النووي.. خيار شديد الخطورة

ويرى الكاتب أن تضييق الخيارات أمام واشنطن قد يدفع بعض دوائر القرار الأميركي إلى التفكير في خيارات استثنائية، ومن بينها استخدام أسلحة نووية تكتيكية ضد إيران.

لكنه يعتبر هذا الخيار بالغ الخطورة، ليس فقط بسبب حجم الرد الإيراني المحتمل، الذي يقول إنه غير معروف، وإنما لأن استخدام السلاح النووي التكتيكي سيضرب قواعد النظام الدولي بأكمله.

فإذا لجأت دولة كبرى إلى استخدام هذه الأسلحة في نزاع إقليمي، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام دول أخرى تمتلك قدرات نووية لاستخدامها في أزمات لاحقة، ما يؤدي إلى انهيار تدريجي للقيود السياسية والأخلاقية التي أحاطت باستخدام السلاح النووي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ويذهب أوغون إلى أن روسيا قد ترد بنقل أسلحة نووية تكتيكية إلى إيران، وربما تعتبر ذلك سابقة تتيح لها استخدام السلاح نفسه في أوكرانيا، وهو ما قد يجعل الدول الداعمة لكييف أهدافاً محتملة.

ومع ذلك، يستبعد الكاتب أن تقدم واشنطن على هذه الخطوة، معتبراً أن كلفة كسر «المحرم النووي» ستكون ضخمة حتى بالنسبة إلى الولايات المتحدة نفسها.

العقوبات.. سلاح قد ينقلب على صاحبه

ومع استبعاد الحرب البرية والخيار النووي، يرى أوغون أن واشنطن عادت إلى أداة العقوبات الاقتصادية.

لكن الكاتب يشكك في قدرة العقوبات على إخضاع إيران، مشيراً إلى أن طهران تعيش منذ نحو عقد تحت عقوبات قاسية، ما منحها خبرة واسعة في الالتفاف عليها وتطوير قنوات بديلة للتجارة.

ويرى أن الهدف الحقيقي للعقوبات الأميركية الجديدة لن يكون إيران وحدها، وإنما الدول التي تواصل تجارتها معها، عبر تهديدها بإبعادها عن النظام المالي العالمي القائم على الدولار.

وهنا يطرح أوغون فرضية أوسع: كلما استخدمت الولايات المتحدة أدواتها السياسية والعسكرية لمنع تدفقات السلع ورؤوس الأموال، زادت الحوافز لدى الدول الأخرى للبحث عن بدائل للنظام المالي الأميركي.

ويعتقد أن الصين ودولاً أخرى تتعامل مع إيران ستعمل على إيجاد وسائل لتجاوز القيود، الأمر الذي قد يحول العقوبات من أداة ضغط على طهران إلى عامل يسرّع، بصورة غير مقصودة، البحث عن بدائل للدولار.

مأزق واشنطن يتجاوز الشرق الأوسط

لا يحصر الكاتب أزمة الولايات المتحدة في المواجهة مع إيران، بل يرى أن واشنطن ترتكب أخطاء متزامنة على جبهات مختلفة.

ويستشهد بالخلاف المتصاعد مع كندا، معتبراً أن تهديد العلاقات الاقتصادية مع جار وحليف استراتيجي يمثل مثالاً على ما يسميه «قطع الغصن الذي تجلس عليه الولايات المتحدة».

فالعلاقات الاقتصادية بين البلدين شديدة التشابك، كما تعتمد قطاعات أميركية استراتيجية على إمدادات كندية، ولا سيما الطاقة والمواد الأساسية.

ويرى أوغون أن الخطاب الأميركي المتشدد تجاه كندا، بما في ذلك الحديث عن ضمها أو فرض رسوم جمركية مرتفعة عليها، لا يخدم المصالح الأميركية بعيدة المدى، بل يهدد بإضعاف شبكة العلاقات التي تستند إليها القوة الاقتصادية والاستراتيجية للولايات المتحدة.

ويضع الكاتب هذه التطورات إلى جانب التوترات الأميركية مع بريطانيا، والنزاعات المتعلقة بغرينلاند، والتحديات المتزايدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ليخلص إلى أن واشنطن تواجه ضغوطاً متزامنة على أكثر من محور.

ترامب بين القوة والواقع

ويقدم أوغون صورة شديدة الانتقاد للرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبراً أن اتساع الفجوة بين القوة التي تمتلكها الولايات المتحدة وبين قدرتها على تحويل هذه القوة إلى نتائج سياسية يدفع الإدارة الأميركية إلى تبني سياسات أكثر اندفاعاً.

ويرى أن الحديث عن السيطرة على غرينلاند، والتوتر مع كندا، والتصعيد في الشرق الأوسط، في وقت تواجه فيه واشنطن ضغوطاً اقتصادية وديوناً ضخمة، يعكس، في رأيه، انفصالاً متزايداً بين التصور الأميركي للقدرة والواقع الجيوسياسي.

ويضيف أن إسرائيل، ممثلة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، هي الطرف الأقرب إلى هذه الرؤية، لكنه يرى في الوقت نفسه أن واشنطن وتل أبيب لا تنجحان دائماً في الوصول إلى توافق بشأن كيفية التعامل مع الأزمات.

هل بدأت مرحلة تراجع الهيمنة الأميركية؟

يتجاوز المقال الأزمة الحالية ليطرح قراءة تاريخية أوسع لمفهوم صعود الإمبراطوريات وسقوطها.

ويرى أوغون أن الانهيارات الكبرى لا تحدث عادة نتيجة ضربة خارجية مفاجئة، بل تبدأ من داخل القوة نفسها. ويستشهد بالإمبراطورية الرومانية، رافضاً اختزال سقوطها في هجمات الشعوب المهاجرة، ومعتبراً أن تلك الهجمات كانت بمثابة الضربة الأخيرة لإمبراطورية كانت تعاني أصلاً من عوامل التآكل الداخلي.

ويعمم الكاتب هذه القاعدة على الولايات المتحدة، قائلاً إن العوامل التي صنعت القوة الأميركية يمكن أن تتحول، في مرحلة معينة، إلى عوامل لإضعافها.

فالإمبراطوريات، وفق رؤيته، لا تنتقل ببساطة من الصعود إلى السقوط؛ بل يبدأ التراجع بالتزامن مع ذروة القوة، عندما تصبح القوة العسكرية والمال معياراً رئيسياً للحكم على النفوذ.

الدولار والقوة العسكرية.. هل يكفيان؟

يضع أوغون القوة العسكرية والمالية الأميركية في إطار أكثر تشككاً. فامتلاك ترسانة عسكرية ضخمة واقتصاد كبير لا يعني بالضرورة القدرة على فرض الإرادة السياسية في كل أزمة.

ويحذر من الوقوع في وهم «القوة الظاهرة»، مشيراً إلى أن التاريخ شهد إمبراطوريات بلغت ذروة استعراض القوة في الوقت الذي كانت فيه عوامل الضعف تتراكم داخلها.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يرى أن ارتفاع الديون وتنامي التحديات أمام النظام المالي العالمي، إلى جانب صعوبة تحويل التفوق العسكري إلى انتصارات سياسية حاسمة، كلها مؤشرات تستحق الانتباه.

ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن الكاتب يتوقع انهيار الولايات المتحدة بصورة فورية؛ بل يؤكد أن الانهيارات التاريخية طويلة الأمد وليست أحداثاً لحظية.

شرق أوسط جديد.. وعالم متعدد الأقطاب

وتكتسب هذه القراءة أهمية أكبر في ظل التحولات الجارية في الشرق الأوسط. فالحرب في المنطقة، وتوترات طرق الطاقة، وتنامي أدوار الصين وروسيا، وسعي دول إقليمية إلى تنويع شراكاتها الأمنية والاقتصادية، كلها عوامل تدفع باتجاه نظام أكثر تعددية.

وفي هذا السياق، فإن قدرة إيران على الصمود أمام الضغوط، واستمرار الصين في تطوير علاقاتها مع دول الشرق الأوسط، ومحاولات دول المنطقة تنويع خياراتها بعيداً عن الاعتماد الكامل على واشنطن، تعكس تغيراً في طبيعة البيئة الاستراتيجية.

ويخلص أوغون إلى أن العالم يقف أمام مرحلة انتقالية قد تعيد توزيع القوة والنفوذ، محذراً من أن أكبر الأخطاء تتمثل في اعتبار القوة العسكرية والمالية القائمة دليلاً دائماً على استمرار الهيمنة.

ويختتم الكاتب رؤيته بالتأكيد على أن التاريخ يتحرك بصورة جدلية، وأن القوى الكبرى تبدأ أحياناً مرحلة تراجعها وهي في ذروة استعراض قوتها، معتبراً أن العالم يقف عند أعتاب «فجر عالم جديد»، وأن على الجميع التعامل مع هذه المرحلة بحذر، لأن موازين القوة التي بدت ثابتة لعقود قد تكون دخلت بالفعل مرحلة إعادة التشكل.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!