
ترك برس
تناول مقال للكاتب والمحلل السياسي ياسر عبد العزيز، في صحيفة "عربي21"، التداعيات الاستراتيجية للهجوم الإسرائيلي على مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب، وما يكشفه من صراع متصاعد على النفوذ وتشكيل خريطة الشرق الأوسط، في ظل تنامي الدور التركي في سوريا وتراجع قدرة إسرائيل على فرض رؤيتها الإقليمية منفردة.
يربط الكاتب بين الضربة الإسرائيلية والتحركات في الجنوب السوري، ودور الولايات المتحدة في منع احتكاك مباشر بين تركيا وإسرائيل، إلى جانب التحولات في الموقف السوري والانفتاح على المحيط العربي والإسلامي، ولا سيما تركيا وباكستان والسعودية.
كما يناقش انعكاسات هذه التطورات على العلاقات بين تل أبيب وواشنطن، وعلى مساعي الإدارة الأمريكية لتهدئة المنطقة، وصولًا إلى طرح احتمال تشكل معادلات وتحالفات جديدة قد تعيد رسم هوية الشرق الأوسط وقواعد النفوذ فيه. وفيما يلي نص المقال:
في مشهد ظاهره استعراضي انتخابي وباطنه من قبله خطة لتغيير خريطة المنطقة التي يحلم بها؛ أقر رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي نتنياهو بالهجوم الجوي الذي استهدف مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب شمال غربي سوريا، مؤكدا أن الاحتلال شن الغارات لمنع ما زعم أنه نشر وشيك للقوات التركية ومنظومات عسكرية في المطار، وقال إن تل أبيب ودمشق اتفقتا على الحفاظ على التهدئة الأمنية، معتبراً -بحسب مزاعمه- أن نشر قوات تركية خرق من دمشق استوجب الفعل الاستباقي، وأشار إلى أن الضربة جاءت لإسماع دمشق وأبعد من دمشق رسالة مفادها أن وجود تركياً في سوريا ستكون له عواقبه. ورغم نفي أنقرة وجود قوات لها في أبو الظهر، أحب الرجل ألا يفوت فرصة الظهور في مشهد قد يخدمه انتخابياً.
واشنطن من جانبها سارعت إلى فض الاشتباك المحتمل، بعد أن أكد مبعوثها توم باراك أن الطائرات التركية وطائرات الاحتلال كادت أن تلتقي في سماء سوريا لولا التدخل الأمريكي الذي أراد أن يؤسس لقواعد عدم احتمالية الاشتباك مجدداً، فدعا وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى الأردن ليلتقي وفداً رفيعا من مسؤولي الاحتلال برعايتها. وحتى مع عدم الاتفاق الكلي على تفاصيل التهدئة، إلا أن الاجتماع أسس لخطوط عامة تمنع الاعتداء على الأراضي السورية، وهو ما لم يحدث بطبيعة الحال، كعادة قادة الاحتلال، فما لبث أن انتهك وزير الدفاع ما تم الاتفاق عليه برعاية أمريكية؛ برسالة وعيد لأحمد الشرع من جبل الشيخ، مؤكداً أن جنوده لن يبرحوا جبل الشيخ، وأطلق في الوقت نفسه تصريحات استفزازية لتركيا، في رسالة مباشرة لمنع أي تغيير في قواعد اللعبة، كما يظن.
القصة الحقيقية لا تكمن في مدرج مطار دُمِّر، بل فيما كشف عنه المبعوث الأمريكي توم باراك حول كواليس ضربة "أبو الظهور". وهنا تبرز المفارقة.. الاحتلال تحرك استباقاً، كما يدعي، لأن سوريا كانت على وشك السماح بتمركز عسكري تركي في القاعدة، في حين أكدت أنقرة ودمشق أن هذا التعاون هو حق سيادي ولإعادة بناء مؤسسات الدولة السورية. لكن خطورة هذا الاحتكاك له تداعيات خارج الجغرافيا السورية، فأنقرة عضو حلف ناتو، وثالث أضلاع تحالف مكة، الذي يضم باكستان والسعودية، والاعتداء عليها يعني استدعاء قوى ليست بالهيّنة لمعادلة الرد، ويعني أيضاً احتمال انفجار إقليمي واسع، لا تتحمله المنطقة التي ترزح تحت حروب منذ قرابة الأربع سنوات، بدأت بطوفان الأقصى، ولا يعرف لها أمد في حرب إيران، وهي الأزمة التي باتت عصا في دواليب الاستراتيجية الأمريكية التي تهدف إلى تهدئة المنطقة للالتفات للعدو المتنامي القادم من شرق آسيا.
في مقابل حالة الهياج العصبي الذي تعيشه تل أبيب، تصيغ دمشق استراتيجيتها بهدوء يحمل قدراً من الدهاء السياسي، فتصريح الشيباني بأن المواد النووية السورية ستبقى تحت "العهدة الوطنية"، يجب الوقوف عنده طويلاً، كما أن سفره بعد هذا التصريح إلى باكستان سيطيل الوقوف عند هذا التصريح، بسؤال: ماذا لو انضمت سوريا إلى حلف مكة؟
تأتي هذه التحركات السورية في ظل فجوة في العلاقات تتبدى بين تل أبيب وواشنطن، فترامب بدأ يشعر أن هناك أعضاء من فريقه يورطونه، لا سيما بعد حرب إيران، وإخفاء الواقع التسليحي لجيشه، ما يعني أن على الرجل أن يقلل من عنجهيته لينزل للواقع ويقرأ المشهد بشكل أفضل. وعلى الطرف الآخر من الطاولة تترقب أنقرة المؤهلة للعب دور أكبر في منطقة تحتاج الحكمة لا الصوت العالي الذي لا يعرف إلا لغة الرصاص، لذا يمكن فهم القرار الأمريكي برفع سوريا من قائمة الإرهاب في هذا السياق.
يسهل على البعض اختزال تصعيد الاحتلال في حسابات بنيامين نتنياهو الانتخابية، لكن واقع الحال يؤكد أننا أمام هواجس مؤسسية في الكيان المحتل أعمق بكثير. التهديد الإيراني الذي انحسر كثيراً بعد الضربة الأمريكية والحصار المفروض عليها؛ لم يصب في مصلحة الكيان المحتل كما كان يتخيل نتنياهو ورفاقه، وكما أرادت الإدارات الأمريكية الحالية أو السابقة، لكي تقود تل أبيب المنطقة في ظل حالة الضعف والتشظي التي تعيشها دول المنطقة.
فالثعلب التركي؛ من غير أي تكلفة عسكرية أو اقتصادية، اللهم إلا الجهد الدبلوماسي، استطاع أن يفرض نفسه كعامل أساسي في معادلة الشرق الأوسط الذي كان يراد له أن يسلم لنتنياهو ليتوج عليه ملكاً، وهو ما جعل نتنياهو وكاتس يشتاطان غضباً، ويندفع كاتس في تصرف صبياني ليزيد نقمة ترامب على نتنياهو وحكومته قبل الزيارة المرتقبة لنتنياهو لنيويورك في أيلول/سبتمبر القادم للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي من المحتمل أن يلتقي خلالها ترامب. وفي ظل هذه الحالة، فعلى اللوبي الصهيوني أن يبذل المزيد من الجهد والمال والتنازلات لإذابة الترسبات الجليدية في الجبل الذي بدأ تعلو قمته فكاد ترامب ألا يرى نتنياهو منه، وبدأ يؤثر في إمكانية صعود نتنياهو إلى قمة الهرم الحكومي في تل أبيب مرة أخرى.
إن ضربة "أبو الظهور" وجولة كاتس في الجنوب السوري ليستا إلا عنوانين لمرحلة جديدة من الصراع على رسم هوية الشرق الأوسط. لكن هذه الهوية، بدت ملامحها الإسلامية تترسخ بجهود تركية ذكية، وتناغم عربي يستحق الثناء فيما لو استمر من دون أي تراجع، فالماضي القريب كشف عن حاجة حقيقية لهذا التقارب الإسلامي بعد تجربة حرب إيران، التي كشفت عن حليف ضعيف وأناني، رغم الإغداق عليه، فلم يُر منه إلا النعق في الحوض الذي شرب منه.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











