ترك برس

في قلب ولاية باتمان جنوب شرق تركيا، حيث تلتقي ضفاف دجلة بتاريخ يمتد آلاف السنين، يقف متحف حسن كيف شاهداً حياً على عظمة الحضارات التي تعاقبت على هذه الأرض. 

لم يكن بناء هذا المتحف مجرد مشروع ثقافي عادي، بل جاء استجابة حضارية واعية لإنقاذ الذاكرة التاريخية لمنطقة حسن كيف، تلك المدينة العريقة التي شهدت حضارات متعاقبة منذ عصور ما قبل التاريخ، والتي تأثرت أجزاء واسعة منها بمشروع سد إليسو. 

جاء المتحف ليحفظ ما أمكن إنقاذه من كنوز أثرية، وليحول منطقة حسن كيف الجديدة إلى مركز جذب ثقافي وسياحي يعيد صياغة علاقة الإنسان بماضيه.

بُني متحف حسن كيف بما يتوافق مع الطابع التاريخي والمعماري للمنطقة، ليضم في جنباته القطع الأثرية المستخرجة من أعمال الحفريات الإنقاذية التي أُجريت في التلال الأثرية (الهويوك) المتأثرة بسد إليسو. 

بدأت أعمال تشييد مبنى المتحف في منطقة السكن الجديدة لحسن كيف عام 2012، وشملت إلى جانب المبنى الرئيسي هياكل الدخول والمسرح المفتوح وقاعاته الخلفية والصوب الزراعية والحدائق والمناطق الثقافية والبنية التحتية وتنسيق الحدائق. أُنجز القبول المؤقت للمشروع في 12 حزيران/يونيو 2015، فيما أُكمل القبول النهائي في الفترة من 4 إلى 8 آذار/مارس 2019 بإشراف رئاسة الإسكان الجماعي (TOKI). 

بدأ المتحف نشاطه في البداية كوحدة تابعة لمديرية متحف باتمان، قبل أن يُعلن استقلاله رسمياً في 10 أيار/مايو 2019 بموجب موافقة وزارية، استناداً إلى الخطة التنفيذية لـ«المجلس الثقافي الوطني الثالث» التي هدفت إلى إنشاء متاحف جديدة في الولايات التي تفتقر إليها، مع مراعاة الإمكانات الثقافية لكل منطقة. 

عُيّن مدير مؤسس للمتحف، وبدأ نشاطه الإداري والمتحفي فعلياً في 25 كانون الأول/ديسمبر 2019، ليصبح أحد أبرز المتاحف الإقليمية في تركيا ضمن إطار مشروع سد إليسو ومحطة الطاقة الكهرومائية.

يمتد مجمع المتحف والحديقة الأثرية (الأركيوبارك) على مساحة واسعة تبلغ نحو 102 ألفاً و668 متراً مربعاً، ما يجعله مرشحاً ليكون مركزاً جديداً للجذب السياحي والثقافي في باتمان والمنطقة بأسرها. 

ويتبنى المتحف مفهوم المتاحف المعاصرة التي لم تعد مجرد مستودعات للآثار، بل فضاءات حية تشكل ذاكرة المجتمع وتثري معارفه وتطور ذائقته الجمالية. ولهذا الغرض، اعتمد المتحف تقنيات حديثة تشمل العروض المدعومة بالحاسوب والأنظمة التفاعلية واللمسية وأجهزة المحاكاة، ليخلق حواراً مباشراً بين الزائر والقطع المعروضة.

تتكون مجموعة المتحف من مواد جيولوجية وأحافير نباتية، وقطع أثرية وإثنوغرافية، وعملات معدنية، وألواح طينية، وأختام وبصماتها، وعناصر معمارية مثل البوابات والتيجان والقباب الداخلية، إضافة إلى المنحوتات الحجرية. 

وقد جُمعت هذه القطع من مصادر متعددة: الحفريات التي أُجريت في حسن كيف نفسها، والحفريات الإنقاذية في ولايات باتمان وديار بكر وماردين وسيرت، إضافة إلى القطع المحولة من متاحف باتمان وديار بكر وماردين، وتلك التي دخلت المجموعة عن طريق الشراء أو الهبات.

في قاعات العرض، يتجول الزائر عبر رحلة زمنية منظمة زمنياً ونوعياً. فالقاعات موزعة على طابقين مقسمين إلى 14 قاعة، تعرض آثاراً تمتد من العصر الحجري القديم مروراً بالعصر الحجري الحديث والعصر الحجري النحاسي وعصور البرونز والحديد، وصولاً إلى الفترات الفارسية والهلنستية والرومانية والوسطى (الأموية والعباسية والحمدانية والمروانية والأرتقية والأيوبية والآق قويونلو) والعثمانية والجمهورية التركية، مع إعادة تمثيل لبعض المشاهد التاريخية. 

ومن أبرز المواقع التي ساهمت قطعها في تشكيل المجموعة: تلال تشيمي ألو وغري عامر وهالان تشيمي وحسن كيف وكوريكي وسوماكي في باتمان؛ وكورتيك تيبي وديميركوي وحاكمي أوسى وكارافليان وغريكي هاجييان وسالات تيبي وكنان تيبي ومسلممان تيبي وغري كانو وكافوشان وأوتش تيبي وزيعارة تيبي في ديار بكر؛ وزيفيا تيفيلكي وبنووا شنغي وزوراكي زيري وإليسو في ماردين؛ وباشور وغوسير وتشاط تيبي ومقابر كوناق بينار-جميل تشيتو الصخرية في سيرت.

ويحظى المتحف بأهمية خاصة لكونه يعكس غنى منطقتي حسن كيف ومحيطها خلال العهدين الأيوبي والأرتقي، حيث تكثر الممتلكات الثقافية المنقولة وغير المنقولة التي تعود إلى هاتين الفترتين. 

وإلى جانب القاعات التاريخية، خصص المتحف قاعة علمية خاصة للعالم البارز بديع الزمان أبو العز بن إسماعيل الرزاز الجزري (المعروف بإلجزري)، الذي عاش بين عامي 1136 و1206، ويُعد أحد أعظم عباقرة علم السيبرنيتيك والفيزياء والروبوتات والمصفوفات في التاريخ. 

تعرض هذه القاعة نماذج من اختراعاته الشهيرة، لتأخذ الزائر في رحلة معرفية تجمع بين عبقرية الماضي وإمكانات الحاضر.

بهذا التكامل بين الحفاظ على التراث والتقنيات الحديثة والعرض التفاعلي، يقدم متحف حسن كيف نموذجاً متقدماً للمتحف الإقليمي الذي لا يكتفي بحفظ الماضي، بل يعيد إحياءه ويجعله جزءاً حياً من حاضر الزائر ومستقبله.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!