
قادر أوستون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
في الوقت الذي يستعد فيه ترامب للقاء الزعيم الصيني شي جين بينغ للمرة الثالثة خلال العام الجاري، أثار اقتراح الزعيم الروسي فلاديمير بوتين عقد قمة ثلاثية حفيظة صقور روسيا في واشنطن. ويعمل ترامب، الذي من المقرر أن يشارك في قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (APEC) عقب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/ تشرين الثاني، على تعزيز العلاقات مع شي، الذي التقاه في بكين في مايو/ أيار واستضافه في واشنطن في سبتمبر/ أيلول. وبعد أن ردت بكين بالمثل على الحروب التجارية، فتح ترامب قنوات للحوار مع الصين بشأن التجارة والذكاء الاصطناعي وتهريب المخدرات والعناصر النادرة وتايوان وإيران، وهو يسعى الآن إلى فتح صفحة جديدة مع بوتين أيضًا. ويعرب صقور روسيا، الذين يعارضون تجميد العقوبات المفروضة على روسيا، والاتفاق المتعلق بالديزل، وإبداء ترامب انفتاحًا على اقتراح بوتين عقد قمة ثلاثية، عن استيائهم من هذه الخطوات، منتقدين إياها بوصفها تعبيرًا عن اليأس قبل الانتخابات والتخلي عن أوكرانيا وترك مصيرها لمواجهة ما ينتظرها.
يسعى ترامب، من جهة، إلى تخفيف الضغوط التضخمية التي يتعرض لها قبل انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني، ومن جهة أخرى، يريد الحد من تداعيات الحربين في إيران وأوكرانيا عبر فتح صفحة جديدة مع الصين وروسيا. ويُظهر إعلان ترامب، الذي يبرز عادة بوصفه قائدًا يفضل المفاوضات الثنائية المباشرة، أنه منفتح على اقتراح بوتين عقد قمة ثلاثية، أنه يعتقد بإمكان الولايات المتحدة حل القضايا العالمية مع روسيا والصين، اللتين يحترمهما باعتبارهما قوتين عالميتين، خارج الأطر متعددة الأطراف. كما أن تأثير نخب السياسة الخارجية المعارضة لترامب، الذي يفضل فرص «الصفقة الكبرى» التي يمكن أن تنتجها سياسة القوى العظمى على البنية «المترهلة» للنظام الدولي القائم على القواعد، يظل محدودًا. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب تخلت عن منظومة التحالفات، وبدأت تتحول نحو نظام تتخذ فيه القوى العظمى القرارات الحاسمة فيما بينها.
الضغط على أوكرانيا والتقارب مع روسيا
إن تخفيف ترامب الضغوط على روسيا والانتقال إلى ممارسة الضغوط على أوكرانيا قبل انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني يذكّرنا بأن علاقته بزيلينسكي تطورت في إطار «وضع قوة صغيرة تحت المظلة الأمريكية عند حدها»، في حين ظلت علاقته ببوتين تتطور على الدوام في إطار احترام قوة عظمى. ويؤجل ترامب تطبيق العقوبات على روسيا، ويوسع نطاق التجارة في مجال الطاقة، ويحاول تطبيع العلاقات مع بوتين. وفي المقابل، يطلب من زيلينسكي وقف هجماته على مصافي النفط الروسية، ويتحدث عن الحاجة إلى قيادة جديدة في أوكرانيا. وبدلًا من تشديد الضغط على روسيا التي لا تقبل «هدنة الطاقة»، يسلط ترامب الضوء على هجمات كييف. أما التقارير التي تتحدث عن إبطاء شركة «ستارلينك» التابعة لإيلون ماسك تعاونها مع أوكرانيا، فتشير إلى أن الضغوط الأمريكية الفعلية وصلت إلى مستوى باتت معه قادرة على التأثير في العمليات الميدانية.
وقد دفعت هذه التطورات صقور روسيا في الكونغرس إلى التحرك، وتسببت في ردود فعل حادة من بعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين على استخدام ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لترامب، وصف «الإنسانية» في حديثه عن بوتين. وعلى الرغم من أن النظرة التقليدية للسياسة الخارجية داخل الحزب الجمهوري تعتبر روسيا والصين منافستين أو عدوّتين، فإن إعطاء ترامب الأولوية للدبلوماسية الشخصية والمساومات الاقتصادية، عبر إخراج العلاقات معهما من إطارها الاستراتيجي طويل الأمد، يثير الانتقادات. ويمكن الاستشهاد في هذا السياق بافتتاحيات صحيفة «وول ستريت جورنال» ومقالات جون بولتون. ومن المؤكد أنه لا يبدو مرجحًا أن تتحول ردود الفعل هذه إلى مقاومة سياسية جدية، لكنها قد تدفع الكونغرس، ولا سيما بعد الانتخابات، إلى تبني نهج أكثر نشاطًا في السياسة الخارجية، كما قد تؤدي إلى تصعيد انتقادات وسائل الإعلام. وبعبارة أخرى، قد يبرز التخلي عن أوكرانيا والتقارب مع روسيا عاملًا يزيد من صعوبة مهمة ترامب في سيناريو ينقسم فيه الكونغرس بين قوى متقاربة في العدد.
حسابات انتخابية أم تحول في المحور الاستراتيجي؟
يمكن ربط سعي ترامب إلى التقارب مجددًا مع روسيا والصين بديناميات الانتخابات والمصالح التجارية. لكن لن يكون من الممكن إصلاح الشرخ العميق الذي أحدثه هذا التقارب، خصوصًا داخل التحالف الغربي، في المدى القصير. وهذا يشير إلى أن موقع الولايات المتحدة داخل التحالف عبر الأطلسي سيتغير بصورة دائمة على المديين المتوسط والطويل، حتى لو كانت الحسابات قصيرة الأجل وراء هذه الخطوات. ولم تعد الولايات المتحدة تبدو معنية بمنافسة روسيا والصين أو مواجهتهما من خلال حشد حلفائها إلى جانبها. بل بات يسود نهج إداري يرى أن على الولايات المتحدة مناقشة مصالحها المباشرة مع هذين البلدين، ويعتبر ذلك من مقتضيات أيديولوجية «أمريكا أولًا».
يمكن قراءة تقارب ترامب مع بوتين وشي في إطار دبلوماسية القادة، لكن هذا المنظور سيظل قاصرًا. فترامب لا يريد الاكتفاء بالتخلي عن الدور القيادي للولايات المتحدة داخل التحالف الغربي، بل يسعى أيضًا إلى ترك إرث سياسي يقوم على إحلال السلام مع القوى العظمى التي كانت تقليديًا خصومًا لبلاده. وقد مهد احتمال إجراء مباحثات خلال القمة الثلاثية لتحديد مصير دول أخرى، مثل أوكرانيا وإيران وتايوان، الطريق منذ الآن أمام تشبيهات بمؤتمر يالطا. ومن شأن تحول الولايات المتحدة، في عهد ترامب، نحو هذا التصور للحوكمة العالمية أن يفضي إلى نتائج مهمة أيضًا بالنسبة إلى مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومنظومة الأمم المتحدة. كما أن احتمال تحديد مصير الصراعات في مناطق مختلفة من العالم ومجالات النفوذ من خلال المساومات بين هذه القوى العظمى الثلاث يشير إلى تحول جديد في المحور الاستراتيجي للسياسة الخارجية الأمريكية أيضًا.
سبق أن كتبت أن سجل السياسة الخارجية الترامبية القائمة على مبدأ «أمريكا أولًا» في الحربين بأوكرانيا وإيران كان «متقلبًا، بين الغيوم المتفرقة والطقس الغائم جزئيًا». ومن الصعب القول إن مساعي ترامب للتقارب مع روسيا والصين تهدف إلى إحداث تحول استراتيجي شامل وفعال. ويبدو أن هذا التوجه، الذي تطغى عليه المصالح الاقتصادية قصيرة الأجل، يكتسب زخمًا أيضًا تحت ضغط المخاوف الانتخابية. لكن عدم إدارة هذه العملية وفق نهج استراتيجي متكامل من جميع جوانبه لا يغير حقيقة أن السياسة الخارجية الأمريكية تمر بتحول دائم من نواحٍ عديدة. فهناك سياسة خارجية أمريكية جديدة تتبلور، تضع مسافة كبيرة بينها وبين حلفائها، وتعطي الأولوية لمصالحها الوطنية في المساومات بين القوى العظمى بدلًا من الحفاظ على استمرارية النظام الدولي، وتبدي استعدادًا للتعاون مع خصومها الاستراتيجيين من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية قصيرة الأجل. ويمكن القول إن هذه السياسة تدفع السياسة العالمية بعيدًا عن النظام الدولي القائم على القواعد والمعايير، وتقودها نحو نظام يُجبر فيه الجميع على «الاعتماد على أنفسهم وتدبير أمورهم بأنفسهم».
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













