
ترك برس
تختزن ولاية أرضروم، الواقعة في شرقي تركيا، طبقات متعاقبة من التاريخ الإنساني والحضاري، جعلت منها على مر العصور نقطة التقاء بين الأناضول وبلاد الرافدين والقوقاز وإيران. فمنذ آلاف السنين، كانت سهولها وممراتها الجبلية موطنا للاستقرار البشري وعبور الشعوب والتبادل الثقافي والتجاري، تاركة وراءها إرثا أثريا يمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى العهدين السلجوقي والعثماني.
وفي قلب هذه المدينة، يتيح متحف أرضروم الأثري لزواره فرصة استكشاف هذا الإرث عبر مجموعة متنوعة من المكتشفات التي توثق تطور الحياة في المنطقة، بدءا من أحافير تعود إلى مئات آلاف السنين وأدوات الإنسان الحجري، مرورا بآثار حضارات كاراز وأورارتو، وصولا إلى القطع السلجوقية والعثمانية ومظاهر الحياة الشعبية والحرف التقليدية.
ويجمع المتحف، الذي افتتح مبناه الجديد للزوار في 19 أغسطس/آب 2023، بين قاعات الآثار والتاريخ الطبيعي والمقتنيات الإثنوغرافية، ليقدم صورة واسعة عن التنوع الحضاري الذي شهدته أرضروم والمناطق المحيطة بها.
من المدارس التاريخية إلى متحف حديث
بدأت قصة متحف أرضروم عام 1944، عندما افتُتح للمرة الأولى داخل مدرسة ياكوتية التاريخية، قبل نقله عام 1947 إلى مدرسة تشيفته منارة، حيث واصل نشاطه نحو عقدين من الزمن.
ومع تزايد أعداد القطع الأثرية والحاجة إلى مساحة أكبر لعرضها، تقرر عام 1964 إنشاء مبنى مستقل للمتحف في حي مراد باشا، وافتُتح أمام الزوار عام 1968.
وبعد نحو 55 عاما من استخدام المبنى، تقرر إنشاء مقر جديد بعدما لم يعد قادرا على استيعاب احتياجات العرض والحفظ، فضلا عن عدم كفايته من ناحية مقاومة الزلازل.
وبدأت أعمال إنشاء المتحف الأثري الجديد عام 2018 في حي رابعة آنا بمنطقة ياكوتية، واكتملت عام 2021، قبل افتتاحه رسميا للزوار في أغسطس/آب 2023.
ويمتد المبنى الجديد على مساحة إجمالية تبلغ 11 ألفا و159 مترا مربعا، تشمل نحو 2350 مترا مربعا من المساحات المغلقة، و2750 مترا مربعا من المساحات الخارجية المخصصة للعرض والحدائق، فضلا عن نحو ألفي متر مربع لمخازن القطع الأثرية.
وتتيح هذه المساحات عرض المقتنيات في أقسام متخصصة، مع توفير مرافق لحفظ الآثار وصيانتها، بما يعزز دور المتحف في حماية التراث الثقافي والتعريف به.
أحفورة ماموث تعود إلى نصف مليون عام
من أبرز ما يستوقف الزوار في قسم التاريخ الطبيعي أحفورة ماموث يعود عمرها إلى نحو 500 ألف عام، عُثر عليها خلال أعمال تنقيب أجريت بين عامي 1986 و1987 في قرية يايلا داغي التابعة لقضاء باسنلر في ولاية أرضروم.
وتشكل هذه الأحفورة إحدى أبرز القطع التي تكشف عن الطبيعة الجيولوجية والتاريخ البيئي للمنطقة، إلى جانب مجموعة من أحافير الرخويات والنباتات التي تعود إلى عصور جيولوجية مختلفة.
ويضم القسم كذلك أدوات حجرية وفؤوسا تعود إلى فترات مبكرة من تاريخ الإنسان، بينها أدوات قطع صُنعت من حجر السبج، وهو زجاج بركاني طبيعي يتشكل عندما تبرد الحمم البركانية بسرعة، ويتميز بقدرته على إنتاج حواف حادة استُخدمت في صناعة الأدوات.
وتعكس هذه المقتنيات جوانب من البيئة الطبيعية التي عاش فيها الإنسان القديم، والمواد التي استفاد منها في تطوير أدواته وتلبية احتياجاته اليومية.
كاراز.. حضارة ربطت الأناضول بالقوقاز
تحتل حضارة كاراز مكانة مهمة في القسم الأثري، نظرا إلى انتشار آثارها في شرقي الأناضول ومناطق واسعة من القوقاز وما وراءهما.
وتعود هذه الثقافة إلى أواخر الألف الرابع وبدايات الألف الثالث قبل الميلاد، واستمر حضورها في المنطقة نحو ألف عام، مع تركّز ملحوظ في شرقي وجنوب شرقي الأناضول، ولا سيما في محيط أرضروم.
وتكتسب مكتشفاتها أهمية خاصة بسبب أوجه التشابه بينها وبين آثار عُثر عليها في مناطق أخرى، من بينها غوي تبه في إيران، وترياليتي في جنوب القوقاز، وخربة الكرك في فلسطين، وهو ما يسلط الضوء على الروابط الثقافية والتفاعلات بين المجتمعات القديمة عبر مساحات جغرافية واسعة.
ويعرض المتحف أيضا قطعا مرتبطة بالثقافة العابرة للقوقاز، التي انتشرت خلال الألف الثاني قبل الميلاد في مناطق تمتد من حوض بحيرة وان وشرقي الأناضول إلى محيط بحيرة أورمية في إيران وصولا إلى جورجيا.
وتتميز بعض هذه القطع الخزفية بألوانها الترابية والحمراء، وبزخارف هندسية تتضمن صفوفا من المثلثات، إلى جانب أشكال لطيور مائية وماعز جبلي، بما يعكس الذوق الفني والرموز المستخدمة في تلك المجتمعات.
آثار أورارتو.. شواهد على مملكة قوية
ويخصص المتحف مساحة لآثار مملكة أورارتو، التي ازدهرت بين القرنين التاسع والسادس قبل الميلاد، وامتد نفوذها إلى مناطق واسعة شملت جنوب القوقاز وشمال غربي إيران وحوض الفرات وأجزاء من جنوب شرقي الأناضول.
وتكشف القطع المعروضة عن مستوى التطور الذي بلغته هذه المملكة في مجالات الصناعات المعدنية والفنون والحياة العسكرية والممارسات الدينية.
وتشمل المقتنيات أواني فخارية ومعدنية، وحليا وأختاما وأدوات حربية، وألواحا نذرية، وأواني طقسية تعرف باسم "ريتون"، فضلا عن نقوش مكتوبة بالخط المسماري.
كما تبرز في المعروضات الشواهد المرتبطة بالعمارة الأورارتية، التي اشتهرت ببناء القلاع والمنشآت الصخرية والسدود وشبكات الري، وهي من أبرز السمات التي ميزت هذه الحضارة في شرقي الأناضول.
ومن القطع اللافتة أيضا شاهد القبر المعروف باسم "طاش بابا"، الذي عُثر عليه في قضاء شنقايا بأرضروم، ويجسد رجلا بملامح وجه واضحة وحزام عند الخصر، يحمل في يده كأسا.
وتشير هذه الشواهد الجنائزية إلى تقاليد دفن ارتبطت بأفراد من الطبقات الاجتماعية العليا والجنود الذين قضوا في المعارك، كما تقدم معلومات عن المعتقدات والرموز الاجتماعية في المجتمعات القديمة.
ولا تقتصر المجموعة الأثرية على هذه الحضارات، بل تضم أيضا حليا وقوارير للدموع وأواني من الألباستر وقطعا معدنية وخزفية، فضلا عن توابيت تعود إلى العصرين الهلنستي والروماني، وشواهد قبور من العهد العثماني.
من السلاجقة إلى العثمانيين.. ذاكرة الحياة اليومية
وفي الطابق العلوي، ينتقل الزائر من العصور القديمة إلى مراحل لاحقة من تاريخ أرضروم، عبر قسم المقتنيات الإثنوغرافية الذي يوثق الحياة الاجتماعية والفنية والثقافية في المدينة ومحيطها.
وتستقبل الزوار نماذج تحاكي بعض المعالم التاريخية للمدينة، بينها برج الساعة في قلعة أرضروم، وجزء من البوابة الرئيسية لمدرسة ياكوتية، في محاولة لإعادة تقديم العناصر المعمارية الأصلية داخل فضاء المتحف.
كما يضم القسم تجسيدا لشخصية أبو القاسم، مؤسس إمارة سالتوق، وحفيدته ماما خاتون التي حكمت في ترجان وتولت الإدارة في أرضروم خلال مرحلة من تاريخها.
وتعرض القاعات قطعا تعود إلى العهدين السلجوقي والإيلخاني، بينها خزفيات مزججة وأقفال معدنية من العصر السلجوقي الأناضولي، تكشف عن تطور الحرف والصناعات الفنية في تلك الفترات.
ومن المحطات المميزة في المتحف قسم ملازكرد، الذي يضم مكتشفات عُثر عليها عام 1986 خلال أعمال حفر لمد قنوات في قضاء ملازكرد بولاية موش، بالقرب من مبنى الحكومة المحلية.
وقد كشفت أعمال التنقيب الإنقاذية التي نفذتها إدارة المتحف عن قطع تعود إلى العصر السلجوقي، بينها أجزاء من تيجان زخرفية تحمل رؤوس تنانين وعنصر شجرة الحياة، إلى جانب أساور وأقراط وخواتم وقلائد وعملات نقدية من عصور مختلفة.
وخضعت هذه القطع لأعمال ترميم وصيانة بين عامي 2016 و2017، قبل عرضها ضمن مقتنيات المتحف.
وتحمل الزخارف السلجوقية في هذه المجموعة دلالات رمزية؛ إذ يعكس التنين ذو الرأسين، وفقا للتفسيرات المعروضة، رموز الهيمنة والخير والخصب والرفاه، فيما ترتبط شجرة الحياة بمعاني الخصوبة والوفرة واستمرار الحياة.
ويضم القسم كذلك أطباقا مزججة وأواني هاون، تعكس جانبا من الحياة اليومية والصناعات المنزلية في تلك المرحلة.
أما قسم السوق العثماني، فيعيد إحياء ملامح الحياة التجارية والاجتماعية خلال العهد العثماني، من خلال عرض أدوات الحمام والأقفال وموازين الوزن والأواني النحاسية والمنتجات المعدنية، بما يبرز تنوع الحرف والأنشطة الاقتصادية في المدينة.
من مقاومة الغزو إلى الفنون الشعبية
وتختتم الجولة الإثنوغرافية بمشاهد تستحضر محطات مهمة من التاريخ الحديث لأرضروم، وفي مقدمتها الحرب العثمانية الروسية المعروفة بحرب 93، التي دارت بين عامي 1877 و1878، وما ارتبط بها من أحداث في تحصينات أزيزيه الشهيرة.
كما يعرض المتحف مشهدا تمثيليا مستوحى من صورة تاريخية تعود إلى سنوات الكفاح الوطني، يظهر فيه مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، إلى جانب والي أرضروم آنذاك منير أكايا وعدد من رفاقهما، وهم يجلسون حول طاولة.
ولا تغيب الحرف المحلية عن هذه الجولة، إذ يخصص المتحف مساحة للتعريف بصناعة حجر أولتو، الذي يُستخرج من قضاء أولتو في أرضروم، وهو نوع من الفحم اللين يُعرف محليا بخصائصه المناسبة للنحت والتشكيل، ويستخدم في صناعة الخرز والحلي والسبح وغيرها من المشغولات اليدوية.
وتبرز هذه الصناعة بوصفها أحد رموز الهوية الحرفية للمدينة، لما تتميز به من مهارات تقليدية توارثها الحرفيون عبر الأجيال.
كما تتضمن العروض مشاهد من رقصة الخنجر الشعبية المعروفة باسم "هانجر بار"، التي تعد من الفنون التراثية المرتبطة بأرضروم، وتعكس جانباً من تقاليد المنطقة الاجتماعية والفلكلورية.
وهكذا يقدم متحف أرضروم لزواره أكثر من مجرد مجموعة من القطع الأثرية؛ فهو مساحة تستعيد تاريخ منطقة كانت على الدوام ملتقى للثقافات والحضارات، وتربط بين آثار الإنسان القديم وممالك الأناضول وموروثات العهدين السلجوقي والعثماني، وصولا إلى الفنون والحرف التي لا تزال حاضرة في حياة سكان المدينة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










