ترك برس

على امتداد آلاف السنين، ظلت مدينة طرسوس، الواقعة في ولاية مرسين جنوبي تركيا، إحدى أبرز محطات التقاء الحضارات والثقافات في شرق البحر المتوسط، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي ربط الأناضول ببلاد الرافدين وبلاد الشام، ومن دورها التاريخي مركزا للتجارة والملاحة ومعبرا للقوافل والجيوش.

وتحتفظ المدينة، التي تعود جذور الاستيطان البشري فيها إلى عصور ما قبل التاريخ، بإرث تاريخي وديني ومعماري متنوع، تتجاور فيه الآثار الرومانية والبيزنطية والمعالم الإسلامية والعثمانية، فضلا عن مواقع ارتبطت بشخصيات دينية بارزة، بينها القديس بولس وأصحاب الكهف والنبي دانيال.

مدينة تعود جذورها إلى آلاف السنين

تقع طرسوس شرقي ولاية مرسين، بين أضنة شرقا والبحر المتوسط جنوبا، وتمتد شمالا نحو جبال طوروس، فيما نشأت على السهل الرسوبي لنهر بردان.

وتشير المديرية الإقليمية للثقافة والسياحة في مرسين إلى أن تاريخ المدينة يعود إلى نحو 7 آلاف عام قبل الميلاد، استنادا إلى المكتشفات الأثرية في تل غوزلوكوله، أحد أقدم مواقع الاستيطان في المنطقة.

وعُرفت المدينة في النصوص الحيثية باسم «تارشا»، فيما أطلق عليها الآشوريون اسم «تارزي» أو «تارزو»، قبل أن يُستخدم اسم «تارسوس» باليونانية ثم «طرسوس» باللاتينية.

واكتسبت المدينة أهمية استراتيجية في إقليم قيليقيا القديم، لوقوعها عند تقاطع الطرق التاريخية التي تربط المنطقة بوسط الأناضول، فضلا عن اتصالها بالبحر المتوسط عبر بحيرة ريغما، ما جعلها مركزا للتجارة البحرية خلال العصور القديمة والوسطى.

وتعاقبت عليها حضارات وممالك متعددة، بينها الحيثيون والآشوريون والفرس، قبل أن يدخلها الإسكندر الأكبر عام 333 قبل الميلاد، ثم تتنازع السيطرة عليها الممالك الهلنستية والرومان.

وخلال العهد الروماني، شهدت طرسوس ازدهارا اقتصاديا وعمرانيا، وزارها يوليوس قيصر ومارك أنطونيوس، كما ارتبط تاريخها بالملكة المصرية كليوباترا، التي تروي الروايات التاريخية أنها التقت أنطونيوس فيها.

مسقط رأس القديس بولس

تكتسب طرسوس مكانة خاصة لدى المسيحيين لكونها مسقط رأس القديس بولس، أحد أبرز الشخصيات في تاريخ المسيحية، والذي وُلد فيها في القرن الأول الميلادي باسم شاول، قبل أن يُعرف لاحقا باسم بولس.

وتضم المدينة بئرا تُعرف باسم «بئر القديس بولس»، تقع في حي كزيل مراد، ضمن منطقة يُعتقد تقليديا أنها كانت تضم منزله. ويبلغ عمق البئر نحو 38 مترا، وتُعد من المواقع التي يقصدها الزوار المهتمون بتاريخ المسيحية.

وبالقرب منها، كشفت أعمال تنقيب عن بقايا جدران حجرية يُعتقد أنها قد تكون جزءا من المنزل الذي وُلد فيه القديس.

كما تضم طرسوس كنيسة القديس بولس، التي يُشار إلى أنها شُيّدت عام 1102 بوصفها كاتدرائية، قبل تحويلها إلى مسجد عام 1415 بعد ترميمها على يد أحمد بك الرامضاني.

أصحاب الكهف ومعالم الذاكرة الدينية

ومن أبرز المواقع الدينية في المدينة كهف أصحاب الكهف، الواقع على بعد نحو 14 كيلومترا شمال غربي مركز طرسوس، في منطقة دَدَلَر.

ويُعد الكهف موقعا ذا أهمية لدى المسلمين والمسيحيين، لارتباطه بقصة الفتية الذين ورد ذكرهم في سورة الكهف بالقرآن الكريم، والذين لجؤوا إلى الكهف فرارا من الاضطهاد بسبب إيمانهم.

وتروي الرواية الشعبية أن الفتية السبعة، برفقة كلبهم قطمير، ناموا في الكهف مئات السنين، ولذلك يُعرف الموقع أيضا باسم «كهف النائمين السبعة».

وتبلغ مساحة الكهف نحو 300 متر مربع، وارتفاعه قرابة 10 أمتار، ويضم ثلاثة أنفاق، فيما شُيّد مسجد صغير بجواره عام 1873 بأمر من السلطان العثماني عبد العزيز.

وتضم المدينة كذلك مسجد المقام الشريف، الذي يُعرف بوجود مقام النبي دانيال داخله، ويعود بناؤه إلى عام 1857، فضلا عن جامع أولو، الذي شُيّد عام 1579 في عهد إمارة الرامضانيين.

آثار رومانية وسلجوقية وعثمانية

وتتنوع المعالم التاريخية في طرسوس، ومن أبرزها بوابة كليوباترا، المعروفة أيضا باسم البوابة البحرية، وهي الجزء المتبقي من أسوار المدينة البيزنطية القديمة، بعد هدم معظمها عام 1835 خلال عهد إبراهيم باشا، نجل والي مصر محمد علي باشا.

وتربط الرواية المحلية البوابة بوصول كليوباترا إلى طرسوس للقاء أنطونيوس، حيث يُعتقد أنها دخلت المدينة عبرها قادمة من الميناء القديم.

ومن المعالم الأخرى حمام «ألتندان غشمه» الروماني، الذي يُرجح أن يعود إلى القرنين الثاني والثالث الميلاديين، إضافة إلى جسر جستنيانوس، الذي شُيّد في القرن السادس فوق نهر بردان.

وتبرز شلالات طرسوس، الواقعة شمال مركز المدينة على النهر نفسه، بوصفها معلما طبيعيا وتاريخيا، إذ كانت المنطقة المحيطة بها خلال العهد الروماني مقبرة تضم قبورا منحوتة في الصخور.

أما الإرث الإسلامي والعثماني، فيتجلى في جامع أولو، ومدرسة كوبات باشا التي شُيّدت عام 1553، وسوق كرك كاشق المسقوف الذي أُنشئ عام 1579، وكان يُستخدم في بداياته مطبخا خيريا ومدرسة، قبل أن يتحول إلى سوق تجارية.

متحف يوثق تعاقب الحضارات

ويشكل متحف طرسوس محطة مهمة للتعرف على تاريخ المدينة، إذ يضم 22 ألفا و251 قطعة أثرية، تشمل 4127 قطعة أثرية و1339 قطعة إثنوغرافية، إلى جانب مخطوطات وأختام وأكثر من 16 ألف قطعة نقدية.

وتغطي مقتنياته فترات تاريخية متعددة، من العصر الحجري القديم والحديث والعصر النحاسي والبرونزي، مرورا بالحضارات الحيثية والأورارتية واليونانية والرومانية والبيزنطية، وصولا إلى العهدين السلجوقي والعثماني.

وبين آثارها القديمة ومعالمها الدينية وأسواقها التاريخية، تقدم طرسوس صورة متكاملة عن مدينة ظل موقعها الجغرافي وتنوعها الحضاري عاملين أساسيين في تشكيل هويتها، لتبقى واحدة من أبرز الوجهات التاريخية والثقافية في ولاية مرسين التركية.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!