
ترك برس
على ضفاف بحيرة «أولوبات» في ولاية بورصة شمال غربي تركيا، تبدو قرية «غوليَازي» (Gölyazı) كأنها جزيرة صغيرة تعانقها المياه وتحيط بها مساحات من القصب وأزهار النيلوفر، فيما تنعكس على سطح البحيرة منازلها التقليدية وقوارب الصيادين الراسية قرب الشاطئ. ومع تبدل الفصول ومستويات المياه، تتغير ملامح المكان؛ فتغمر المياه جذور بعض الأشجار، وتنتشر الطيور المائية بين الجزر الصغيرة، بينما يرسم غروب الشمس مشهدا تتدرج فيه ألوان السماء على صفحة البحيرة. وبين الطبيعة الهادئة والآثار التي تعود إلى قرون بعيدة، تحتفظ غوليَازي بسحر قرية صيد صغيرة وبذاكرة تاريخية تجعلها واحدة من الوجهات اللافتة في محيط بورصة.
تقع القرية ضمن قضاء نيلوفر، على شبه جزيرة ضيقة تمتد داخل بحيرة أولوبات، وتبعد نحو 42 كيلومترا عن مركز مدينة بورصة. ويعود تاريخ الاستيطان فيها إلى القرن السادس قبل الميلاد، حين عُرفت باسم «أبولونيا أد رينداكوم» (Apollonia ad Rhyndacum)، في تسمية ارتبطت بنهر رينداكوس القديم، المعروف اليوم باسم نهر كوجا تشاي، الذي يصب في البحيرة. وتُعد غوليَازي من أغنى المواقع الأثرية في بورصة، إذ تعاقبت عليها حضارات وتركت آثارا لا تزال حاضرة في عمرانها ومحيطها.
من أبولونيا القديمة إلى الحقبة العثمانية
ازدهرت غوليَازي خلال العصر الروماني، واكتسبت في الحقبة البيزنطية طابعا دينيا أوضح، مع تشييد مبانٍ ومنشآت مرتبطة بالحياة الدينية. وتشير القطع النقدية المكتشفة في المنطقة إلى جانب من تاريخها الاقتصادي والسياسي؛ إذ ضُربت في أبولونيا خلال القرن الأول قبل الميلاد نقود تحمل نقوشا بارزة لجراد البحر، كما عُثر على أعداد كبيرة من العملات التي تعود إلى الأباطرة البيزنطيين.
وتضم المنطقة بقايا أثرية متعددة، من بينها أطلال قلعة قديمة تُعرف باسم «البوابة الحجرية»، ومنشأة يطلق عليها السكان اسم «دليك طاش»، ويُعتقد أنها كانت قناة مائية أو جزءا من نظام لنقل المياه. كما توجد بقايا معبد مخصص للإله أبولون في جزيرة «قز»، وآثار لمسرح قديم، إلى جانب أجزاء من الأسوار التي كانت تحيط بشبه الجزيرة.
وبعد انتصار ديمبوز عام 1303، امتد النفوذ العثماني إلى المنطقة، عقب سيطرة عثمان غازي على أراضي تكفور كيتِه، لتدخل غوليَازي مرحلة جديدة من تاريخها. ولا تزال بعض الجزر الواقعة في بحيرة أولوبات، ومنها جزيرتا «أليوس» و«ماناستير»، تحتفظ ببقايا مستوطنات تعود إلى العصر البيزنطي، ما يعكس الأهمية التاريخية للبحيرة بوصفها فضاء للاستقرار والحركة والتواصل.
ذاكرة متعددة الثقافات ومعالم دينية
شهدت غوليَازي عبر تاريخها تعايشا بين مجتمعات مختلفة، إذ عاش فيها السكان اليونانيون المسيحيون والأتراك المسلمون خلال العهد العثماني. وتذكر مصادر محلية أن نحو 400 أسرة يونانية كانت تقيم في القرية قبل قيام الجمهورية التركية، قبل أن تتغير تركيبتها السكانية عقب حرب الاستقلال واتفاقية التبادل السكاني بين تركيا واليونان عام 1923، التي انتقلت بموجبها عائلات تركية من جزيرتي كريت وسالونيك إلى المنطقة.
وتبرز كنيسة «هاجيوس جورجيوس» (القديس جورجيوس)، التي شيدها السكان اليونانيون خلال القرن التاسع عشر، بين المعالم التاريخية للقرية، إلى جانب بقايا كنيسة دير «هاجيوس قسطنطينوس» في جزيرة مانوستير. كما تضم المنطقة مسجدا وحماما تاريخيين لم يُحدد تاريخ بنائهما بدقة، في صورة تعكس تداخل الموروثات الدينية والمعمارية عبر العصور.
وقد أُعلنت غوليَازي منطقة أثرية محمية، بهدف صون مبانيها التاريخية وبقاياها العمرانية، والحفاظ على طابعها التقليدي في مواجهة التوسع العمراني والتغيرات الحديثة.
«الشجرة الباكية».. رمز القرية وذاكرتها الحية
ومن أشهر رموز غوليَازي شجرة الدلب المعمرة المعروفة باسم «الشجرة الباكية» (Ağlayan Çınar)، التي تقف عند مدخل الجسر الرابط بين شبه الجزيرة واليابسة. ويُقدر عمرها بنحو 750 عاما، وتُعد من أبرز المعالم الطبيعية في القرية، إذ تجمع بين قيمتها البيئية وحضورها في الذاكرة المحلية.
وتستوقف الشجرة الزوار بجذعها الضخم وأغصانها الممتدة، كما تحيط بها حكايات شعبية ارتبطت باسمها، لتصبح نقطة لقاء والتقاط الصور قبل التوجه إلى الأزقة القديمة وساحة القرية. ويُعد الجسر القريب منها مدخلا إلى عالم غوليَازي، حيث تنتشر المنازل التقليدية والمقاهي الصغيرة ومراسي القوارب.
بحيرة أولوبات.. موطن الطيور والنيلوفر
ولا تكتمل زيارة القرية من دون استكشاف بحيرة أولوبات، المعروفة أيضا باسم «أبوليونت»، وهي بحيرة مياه عذبة ضحلة تقع جنوب بحر مرمرة، وتُعد من المناطق الرطبة المهمة في تركيا. وقد أُدرجت عام 1998 ضمن المواقع المشمولة باتفاقية رامسار للأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية، نظرا إلى قيمتها البيئية ودورها في توفير موائل للطيور المائية.
وتضم البحيرة جزرًا صغيرة، وتنتشر في مياهها النباتات المائية والقصب وأسرّة النيلوفر، فيما تشكل محطة للتكاثر والتغذية والراحة لأنواع من الطيور، بينها البجع الدلماسي والغاق الصغير والبط. كما تحتضن أنواعا متعددة من الأسماك، من أبرزها الكراكي والشبوط، ما يجعل الصيد أحد الأنشطة التقليدية ومصادر الرزق الأساسية للسكان.
وتتيح القوارب الصغيرة للزوار الإبحار بين القصب والجزر ومشاهدة الطيور والمناظر الطبيعية من مسافة قريبة، فيما يُعد التوجه إلى التلال المحيطة، ولا سيما تلة «زامباك»، فرصة لمتابعة غروب الشمس وانعكاس ألوانه على مياه البحيرة.
وتجمع غوليَازي، بذلك، بين الطبيعة والتاريخ والحياة الريفية؛ فهي ليست مجرد قرية مطلة على بحيرة، بل مساحة تتجاور فيها آثار أبولونيا القديمة والكنائس البيزنطية والذاكرة العثمانية مع نشاط الصيد والتقاليد المحلية. ومن خلال هذا المزيج، تقدم القرية لزوار بورصة تجربة هادئة تتيح اكتشاف جانب مختلف من الأناضول، بعيدا عن صخب المدن الكبرى.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











