ترك برس

تناول مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، الأبعاد الاجتماعية العميقة للحروب، مركّزًا على كيفية تأثيرها في إعادة تشكيل الهويات الفردية والجماعية، سواء عبر تعزيز التضامن في المجتمعات المتماسكة أو تعميق الانقسامات في المجتمعات الهشّة. 

يناقش أويصال في مقاله بصحيفة الشرق القطرية آثار الحروب على التعليم وظهور “الجيل الضائع”، وتدمير التراث الثقافي، إضافة إلى تداعياتها على الدول المجاورة مثل تركيا ودول الخليج من حيث الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي. 

ويتطرق أيضا إلى انعكاسات الحروب على المجتمعات المستقبِلة للاجئين، وما قد تثيره من توترات، مقابل بروز أشكال من التضامن والعمل الإنساني، ليخلص إلى أن آثار الحروب لا تنتهي بانتهائها، بل تستمر عبر تحديات إعادة بناء الثقة والمجتمع. وفيما يلي نص المقال:

في أوقات الأزمات والحروب، يعيد الأفراد النظر في هوياتهم الفردية والجماعية ويعملون على إعادة تشكيلها؛ فإذا كان البناء الاجتماعي متماسكًا، تعززت مشاعر الثقة والانتماء، مما يقوي الوحدة الوطنية وروح التضامن، أما في حال ضعف الهوية المشتركة، فإن الأفراد يميلون إلى التمسك بهويات فرعية كالهوية العرقية أو المذهبية أو القبلية. وعندما تكون الأطراف المتصارعة مختلفة في هذه الانتماءات، تتعمق التوترات والاستقطابات وقد تستمر آثارها لسنوات طويلة؛ فالحرب الأهلية في لبنان، على سبيل المثال، أسهمت في ترسيخ الانقسامات المذهبية التي لا تزال تؤثر في الحياة السياسية والعلاقات الاجتماعية حتى اليوم، كما أدّت الحرب الأهلية في سوريا إلى زيادة حدة التوتر بين العلويين والسنّة في تركيا.

خلال الحروب، يُعدّ تدمير المدارس والمكتبات أمرًا شائعًا، مما يؤدي إلى انقطاع العملية التعليمية وانخفاض معدلات القراءة والكتابة، وضياع الفرص، وظهور ما يُعرف بـ»الجيل الضائع». ففي سوريا، حُرم ملايين الأطفال من التعليم، واضطر بعضهم إلى العمل، بل واستُخدم بعضهم كجنود أطفال. وفي لبنان والأردن، ورغم جهود الحكومات لتعليم الأطفال اللاجئين من خلال نظام الدوامين (الصباحي والمسائي)، فإن كثيرًا من الأطفال لم يتمكنوا من الحصول على تعليم كافٍ بسبب اضطرارهم إلى العمل. كما واجه الأطفال السوريون في بلدان اللجوء تحديات إضافية نتيجة اختلاف اللغة والثقافة. إضافة إلى ذلك، فإن تدمير التراث الثقافي أثناء الحروب قد يؤثر سلبًا في تشكيل الهوية مستقبلًا، كما يحدّ من الإمكانات السياحية في مرحلة ما بعد الحرب.

تتحمّل دول الخليج وتركيا، رغم عدم مشاركتها المباشرة في القتال، كلفة اجتماعية كبيرة للحروب. فتركيا، على سبيل المثال، تتأثر بشكل ملحوظ بالحرب مع إيران؛ إذ إن سقوط عدد من الصواريخ قرب حدودها ألحق ضررًا بقطاع السياحة، وأدى إلى توترات سياسية داخلية وخارجية، خاصة مع إيران وإسرائيل. وكما هو الحال في دول أخرى، تتجلى كلفة الحرب في تركيا أيضًا في ارتفاع معدلات التضخم وغلاء المعيشة. ومع استمرار الحرب لفترة طويلة، تزداد المخاوف من موجات نزوح كبيرة قد تتدفق إلى تركيا من إيران (وربما من العراق ولبنان أيضًا).

أما دول الخليج فتتحمّل كلفة اقتصادية أشد وطأة نتيجة الحروب؛ إذ إن الهجمات التي تستهدف منشآت النفط والغاز تُلحق أضرارًا مباشرة بمصدر الدخل الرئيس، وتخلّف خسائر قد يستغرق إصلاحها سنوات طويلة. كما تتضرر الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية مثل السياحة، وقد يهدد استمرار الصراع أمن المياه والغذاء في المنطقة. كذلك تؤثر أصوات الصواريخ وأخبار الهجمات سلبًا في الحالة النفسية لمجتمعات الخليج. ولا يقتصر التأثير على الاقتصاد فحسب، بل يمتد إلى قطاع التعليم أيضًا؛ حيث يؤدي انتشار التوتر والضغط النفسي إلى صعوبة تركيز الطلاب، كما أن الاعتماد على التعليم عن بُعد قد يضعف من جودة العملية التعليمية.

في بعض الأحيان، تمتد آثار الحروب لتشمل حتى الدول غير المشاركة فيها بشكل مباشر. ففي الدول التي تستقبل أعدادًا كبيرة من المهاجرين، كما هو الحال في أوروبا، قد يؤدي تشكّل مجتمعات جديدة إلى تصاعد النزعات القومية. ومع ذلك، لا تقتصر نتائج الحروب على الجوانب السلبية؛ إذ قد تُفرز أيضًا بعض الآثار الإيجابية. فرغم شدة الظروف، تظهر خلال فترات الحرب أشكال قوية من التضامن الاجتماعي والعمل التطوعي، حيث تتعاون منظمات المجتمع المدني والمبادرات المحلية والمؤسسات الدولية لتقديم المساعدات الإنسانية والخدمات الصحية والتعليمية والدعم النفسي، في محاولة لسدّ الفجوات القائمة. كما تعكس شبكات التضامن المحلية في مناطق النزاع قدرة المجتمعات على التكاتف ودعم بعضها البعض حتى في أشد الظروف قسوة. وتسهم الأعمال التطوعية في إعادة بناء الثقة المجتمعية، والتخفيف من الأعباء النفسية، وتقديم الخدمات الاجتماعية، إلا أن محدودية الموارد والإرهاق الذي يلي الحروب قد يعوقان استمرارية هذه الجهود.

حتى بعد انتهاء الحروب، تستمر آثارها في التأثير على الحياة الاجتماعية. فإعادة بناء المجتمع عملية معقّدة ومتعددة الأبعاد، ولا تقتصر على إعادة إعمار البنية التحتية فحسب، بل تشمل أيضًا إنعاش الاقتصاد، وإعادة بناء الثقة بين مكوّنات المجتمع، وتعزيز المصالحة، وإحياء ثقافة التعايش المشترك. وكما نرى اليوم في سوريا، فإن برامج الدعم النفسي، والمساعدات الإنسانية، والحوار الوطني، وخطط إنعاش الاقتصاد، والعدالة الانتقالية، إضافة إلى عودة اللاجئين إلى وطنهم، تمثّل تحديات كبيرة ومتنوعة. ومن هنا، لم يعد من الممكن النظر إلى الحروب بوصفها حالات استثنائية، بل ينبغي التركيز على تطوير استراتيجيات فعّالة للتعامل معها والتخفيف من آثارها.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!