
نبي ميش - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس
هناك من يشبّه إدارة تركيا لدبلوماسية نشطة مع بقائها خارج الحرب في الصراع بين الولايات المتحدة–إسرائيل وإيران، بموقف عصمت إينونو خلال الحرب العالمية الثانية.
وهناك من يرى بقاء تركيا خارج الحرب وممارستها الحالية في السياسة الخارجية وكأنها "استثناء" في سياسة رجب طيب أردوغان الخارجية.
بل إن هناك من، مع تأكيده على صحة هذه السياسة، يقول إن السياسة الخارجية في عهد عصمت إينونو كانت خياراً اضطرارياً فرضته الظروف على السلطة، وبالتالي يجب على سلطة تنتقد إينونو أن تستخلص الدروس من ذلك...
السمة المشتركة لدى صانعي الرأي المعارضين الذين يطرحون مثل هذه التحليلات هي أنهم، رغم اعتبارهم سياسة تركيا في زمن الحرب صحيحة، يخلقون تصوراً وكأنها "أول مرة في عهد أردوغان".
في حين أن بقاء تركيا خارج الحرب اليوم، وقيامها بوساطة نشطة وقدرتها على التحدث مع جميع الأطراف، ليس خياراً ظرفياً. بل هو نتيجة استراتيجية عقلانية وواعية ذات استمرارية في عهد أردوغان. أي أنها ليست استثناء. ومن الضروري الإشارة إلى أنها تختلف بالطبع من عدة نواحٍ عن فترة إينونو. لكن الفارق الأهم هو التالي: بينما اتبع إينونو سياسة خارجية أكثر سلبية، فإن تركيا اليوم، رغم بقائها خارج الحرب، تنتهج سياسة نشطة.
عند النظر إلى السياسة الداخلية والخارجية لـتركيا في عهد أردوغان، يتبين أن الهدف الأساسي هو: الحفاظ على استقرار البلاد في كل أزمة، وزيادة قدرتها السياسية والإدارية والمجتمعية على الصمود في مواجهة الأزمات، وتعزيز قدرة الدولة، وتعميق استقلالها الاستراتيجي، وترسيخ موقعها كفاعل مؤثر في السياسة العالمية. وبالطبع، لا يمكن القول إن هذه السياسة استمرت في كل فترة بنفس مستوى النجاح العالي، إذ إن الظروف الظرفية كانت في بعض الأحيان مقيِّدة.
أسهل طريقة لفهم هذه الاستمرارية هي النظر بشكل عام إلى فترة ما بعد 2010، وقراءة إطار السياسة التي حاولت تركيا تطبيقها منذ ذلك الوقت حتى اليوم بشكل صحيح. فقد واجهت تركيا خلال عهد أردوغان العديد من الأزمات والتدخلات. وبينما سعت إلى الحفاظ على استقرارها في مواجهة هذه التدخلات، استخلصت منها أيضاً دروساً استراتيجية.
وخلال هذه العملية، واجهت تركيا العديد من الأزمات والتدخلات: أحداث العنف في منتزه غيزي، ومؤامرة شاحنات جهاز الاستخبارات، ومحاولة الانقلاب القضائي في 17–25 ديسمبر، وأحداث 6–7 أكتوبر، وإرهاب الخنادق والحفر، وهجمات داعش، ومحاولة الانقلاب في 15 يوليو، والتدخلات الاقتصادية... إن السلطة الحالية، كما اتبعت سياسة معينة في تلك الفترات لمواجهة محاولات زعزعة استقرار تركيا من الداخل والخارج بشكل منسق، فإنها اليوم تتبع النهج نفسه في مواجهة الحرب الكبرى الجارية على حدودها.
وكما بذلت تركيا جهوداً في حرب أوكرانيا–روسيا عبر التحدث مع جميع الأطراف، وممارسة وساطة نشطة، وحماية مصالحها، فإنها اليوم تواصل الجهود نفسها بشكل أكثر تقدماً.
لقد تمكّن رجب طيب أردوغان وفريقه، أثناء تحييد موجات زعزعة الاستقرار التي استهدفت تركيا في الماضي، من استشراف اتجاه تنافس القوى الكبرى، وما يُستهدف في المنطقة على المدى القصير والمتوسط والطويل، وكذلك إدراك أن النظام العالمي يتجه نحو أزمة منهجية.
إن السياسة المتبعة في سياق الحرب بين إيران والولايات المتحدة–إسرائيل هي استمرار لهذا التراكم الاستراتيجي. فـتركيا لا تنظر إلى هذه الحرب على أنها أزمة آنية فقط، بل تقرؤها كمرحلة جديدة من موجات زعزعة الاستقرار الإقليمي التي خبرتها سابقاً، وكحقل صراع جديد في إطار التنافس العالمي والإقليمي على القوة. ولذلك، بدلاً من ردود الفعل قصيرة المدى، تعتمد نهجاً يحافظ على استقلالها الاستراتيجي، وهامش حركتها الدبلوماسية، وقدرتها على تحقيق التوازن.
في المحصلة، لا ينبغي اعتبار موقف تركيا في هذه الحرب استثناءً. بل يجب النظر إليه كاستمرار متماسك للعقل الاستراتيجي الذي تم بناؤه على مدى طويل خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية. إن التحليلات التي تتجاهل هذه الاستمرارية لا تستوعب بشكل كافٍ التدخلات التي واجهتها تركيا في عهد أردوغان، ولا القدرة التي طوّرتها في مواجهتها، ولا الاستراتيجية التي بلورتها في مواجهة الأزمات الكبرى.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس












