فاطمة أوزكان - ستار (14/05/2026) - ترجمة وتحرير ترك برس

ذهب ترامب إلى الصين وهو في حالة من التراخي. فالزيارة التي تحققت بعد ثمانية أعوام ونصف كانت مخططًا لها منذ وقت طويل، لكن الحرب الإيرانية التي دخلتها الولايات المتحدة في ذيل إسرائيل أضعفت يد ترامب كثيرًا – رغم كل انتفاخاته وخطاباته عن تدمير إيران.

ولهذا السبب تحديدًا أُجِّلت الزيارة من مارس إلى مايو – حتى يجلس الرئيس الأمريكي إلى الطاولة قويًا أمام الصين، منافسه الوحيد في مجالي التجارة والتكنولوجيا – لكن النصر الإيراني المنتظر لم يتحقق بأي شكل.

ورغم وقف إطلاق النار، والمفاوضات غير المباشرة، والنصوص التي كانت تتنقل بين الطرفين، فإن احتمال التوصل إلى تسوية بين الدولتين لا يزال ضعيفًا جدًا.

كما تنتقد وسائل الإعلام الأمريكية ترامب في هذا الملف. لكن لا يُنتظر أيضًا حدوث توتر جديد أو حالة عدم يقين جديدة أو اصطفافات واضحة في العلاقات الأمريكية-الصينية.

فالشيء المتوقع هو الحفاظ على الوضع القائم؛ أي عدم إنتاج حالات عدم استقرار جديدة بالنسبة للطرفين. ومن أجل ذلك يُنتظر قدر من التخفيف في الرسوم الجمركية التي رُفعت العام الماضي بشكل متبادل إلى 100 بالمئة، إلى جانب اتفاقات تجارية واستثمارات في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا. كأن تشتري الولايات المتحدة العناصر الأرضية النادرة من الصين، وتبيعها الطاقة والطائرات. أما في قضية تايوان، فإن الطرفين يريدان الحفاظ على الوضع الراهن.

الصين نمت بصمت

لقد نمت الصين أصلًا بصمت – حتى لا تستجلب شر الولايات المتحدة عليها. فقد استولت على الأسواق العالمية بمنتجاتها التكنولوجية منخفضة التكلفة، التي تنتجها بفضل اليد العاملة الرخيصة والطاقة الرخيصة/النفط الرخيص. وعندما يُقال "صناعة صينية" يتبادر إلى أذهاننا جميعًا، بالفعل، منتجات رخيصة تؤدي الغرض لفترة ثم تُرمى.

وعندما أصبحت الصين قادرة على منافسة الولايات المتحدة في التجارة والتكنولوجيا والدبلوماسية، دخلت إلى أجندة السياسة الأمريكية من الصف الأول، لكن بعد فوات الأوان.

ورغم أن حجم قوتها العسكرية معروف، فإن الصين لا تعكس ذلك عمدًا على الأرض. فبحسب تصنيف غلوبال فاير باور لعام 2026، تمتلك الصين ثاني أكبر قوة عسكرية في العالم. أما الأولى فهي الولايات المتحدة بالطبع.

وهما أيضًا في حالة تنافس من حيث الحجم الاقتصادي. فهناك مجالات تتفوق فيها إحداهما على الأخرى أو تتأخر عنها، لكنهما في النهاية خصمان. وبالفعل، كانت الصين الدولة الوحيدة التي وُصفت بأنها "منافس" وجرى استهدافها في وثيقة الاستراتيجية الوطنية الأمريكية لعام 2026.

هل يُفتح مضيق هرمز؟

ومن ناحية أخرى، ورغم أن الصين واجهت صعوبات في إمدادات النفط الرخيص بسبب الحرب الإيرانية، فإن هذا الوضع لم يخلق أزمة لا تستطيع تحملها. ولهذا السبب تحديدًا لا يُتوقع أن يتمسك شي جين بينغ بكلتا يديه بطلب ترامب القائل: "اضغط على إيران لكي تفتح هرمز وتقبل شروطنا".

ورغم أن مشكلة الحرمان من النفط الرخيص تُرهق الصين، فإنها تريد أن يخرج ترامب من الطاولة بأرباح أقل، انطلاقًا من حقيقة أن الحرب المستمرة تُنهك الولايات المتحدة أكثر وتحمّلها تكاليف إضافية. ومن الواضح أيضًا أن لديها القدرة على تحمل ذلك.

ولذلك فإن بكين، المعروفة بتقديمها دعمًا عسكريًا واستخباراتيًا لإيران من أجل تقوية يدها في الحرب، لن تُعرّض شراكتها الاستراتيجية مع طهران للخطر.

لكن زعيمي أقوى اقتصادين وأقوى جيشين في العالم سيحددان، على مدى ثلاثة أيام، إطار المرحلة الجديدة وميزان التوازنات العالمية.

الصين في عهد ترامب: ليست تهديدًا بل منافسًا

وكما هو معروف، فقد حدث تغيير في سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين مع ترامب. فترامب واصل المراجعة التي بدأها في ولايته الأولى عندما انتُخب للمرة الثانية.

فوثيقة الاستراتيجية الوطنية الأمريكية لعام 2026 – خلافًا لفترة بايدن – لا تُصنّف الصين كتهديد وجودي. ولا تصفها بأنها "أهم دولة تتحدى الولايات المتحدة جيوسياسيًا" أو "المنافس الوحيد القادر على إعادة تشكيل النظام". فالمنافسة لم تعد تُدار من المجال الأيديولوجي، بل من خلال الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل التوريد.

وكون الصين ليست الأولوية الأولى، وتبنّي الولايات المتحدة لعقيدة "الوطن أولًا" وانكفائها إلى حيّها الداخلي، كان قد أسعد الصينيين. وبينما يربط البعض ذلك بحجم قوتهم التنافسية ونجاحهم في الوصول إلى مستوى يمكنهم فيه منافسة الولايات المتحدة بل وردعها، فإن الصين تتبع استراتيجية ذكية وصبورة. فهي تتقدم بصمت وبدهاء دون أن تستجلب غضب الولايات المتحدة عليها. والتقييمات الخاصة بهذه الزيارة تسير في هذا الاتجاه أيضًا.

الاستقرار في التجارة والسيادة في تايوان

وتتناول وسائل الإعلام الصينية زيارة ترامب من زاوية التأكيد على "الاستقرار" في قضايا مثل التجارة والاقتصاد وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، بينما تشير إلى قضية تايوان باعتبارها مجال سيادة، وتتناولها بتوقع موقف لا يقبل التنازل. أما ترامب، الذي باع أسلحة لتايوان قبل فترة قصيرة ويحتاج إلى تجميع القوة للانتخابات النصفية، فيبدو أنه وضع قضية تايوان في الثلاجة بالفعل.

وخلاصة القول، فإن هدف الطاولة بالنسبة لواشنطن وبكين سيكون أولًا البحث عن تحويل الهدنة في الحرب التجارية، التي بدأت برفع الرسوم الجمركية بشكل متبادل، إلى سلام دائم. أما التوقعات الكبرى مثل إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية العالمية، والاصطفاف من أجل نظام عالمي جديد، وإنهاء/تقليص هيمنة الدولار العالمية، فهي أمور لا يُنتظر حدوثها في هذا الظرف الراهن.

 

عن الكاتب

فاطمة أوزكان

كاتبة في صحيفة ستار


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس