برجان توتار - صباح (14/05/2026) - ترجمة وتحرير ترك برس

بدأت أخيرًا زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، والتي كانت قد أُرجئت بسبب أزمة هرمز. إن صراع القوة على محور الحروب التجارية بين القوتين المتنافستين اللتين تربطهما علاقة تكافلية ينتقل الآن إلى مرحلة جديدة. فالولايات المتحدة، التي انتقلت إلى الهجوم، تعتقد أنها ستبلغ هدفها عبر تطويق الصين من جبهتين. ولهذا الغرض، فإن الإدارة الأمريكية، بخلاف الفترة الأولى لدونالد ترامب بين عامي 2017 و2021 التي كانت محصورة بالحرب الاقتصادية، أطلقت أيضًا في ولايته الثانية التي بدأت عام 2024 حربًا جيوسياسية ضد بكين تشمل تحركات عسكرية وسياسية.

وبطبيعة الحال، فإن ترامب يتبع سياسة أكثر عدوانية تجاه الصين مقارنة بفترته الأولى. وهو يفعل ذلك بطريقتين. الأولى: استراتيجية تطويق ذات طابع قومي تقوم على إنهاء نقل رأس المال والتكنولوجيا الأمريكية إلى الصين، وهو ما جرى بعد الحرب الباردة. والثانية: تطويق دولي يهدف إلى إخراج الجهات التي توفر للصين الطاقة الرخيصة من المعادلة، عبر استراتيجيات مثل الانقلاب في فنزويلا والتحرك ضد إيران. ويمكننا أن نضيف روسيا إلى ذلك أيضًا. فالولايات المتحدة، التي رفعت عقوبات الطاقة عن روسيا بعد أزمة هرمز، وجهت بهذه الطريقة ضربات قاسية إلى واردات النفط والغاز التي كانت بكين تحصل عليها بأسعار أقل من السوق.

وبمعنى ما، فإن مرحلة شراء الصين للطاقة الرخيصة من دول مثل فنزويلا وإيران وروسيا، المدرجة على قائمة العقوبات الأمريكية، توشك على الانتهاء. وليس الأمر مقتصرًا على الدول الغنية بالنفط فحسب، بل إن طرق التجارة التي تُعد شريانًا حيويًا للصين، مثل هرمز وملقا وكوريا وباب المندب والسويس، باتت أيضًا ضمن أهداف الولايات المتحدة. كما أن الممرات التجارية البرية التي تصل الصين بأوروبا عبر العالم التركي (آسيا الوسطى) وبحر قزوين والقوقاز وإيران وتركيا أصبحت تحت الحصار الأمريكي.

وباختصار، فإن الولايات المتحدة أطلقت بالفعل مشروعًا ضخمًا للسيطرة على جميع الممرات الحيوية التي تنفتح عبرها الصين على العالم برًا وبحرًا. والسياسة الخارجية الأمريكية تتحرك هذه الأيام بالكامل وفق أجندة الصين.

وفي هذا السياق، فإن الهدف من العملية في فنزويلا، والانفتاحات على دول أمريكا اللاتينية، والشراكة الجديدة التي تم تحقيقها مع باكو ويريفان عبر ممر زنغزور، والعلاقات الجديدة المطورة مع دول آسيا الوسطى، والتفاهم الكبير الذي جرى مع روسيا، هو الصين. كما أن خطوات تطويق الصين في المحيط الهادئ قبل أن تنفتح على المحيط الهندي عبر اليابان والفلبين وكوريا الجنوبية وإندونيسيا، وتحالف أوكوس الأمني المتمحور حول الهندي-الهادئ، الذي وُقّع عام 2021 بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، والثورة الشعبية في سوريا، وأخيرًا الحرب الإيرانية واستراتيجية فرض الحصار على هرمز، كلها تطورات ضمن طيف واسع تستند بالكامل إلى كبح بكين.

وعلاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة تضع أيضًا دول الخليج وإسرائيل وحلفاءها الاستراتيجيين في أوروبا في مواجهة الصين. وفي هذا الإطار، دخلت مشاريع تحويل الناتو إلى قوة آسيا-المحيط الهادئ موجهة ضد الصين حيّز التنفيذ.

وعندما ننظر من هذا المنظور، فإن توصل ترامب إلى تفاهم عالمي مع الزعيم الصيني شي جين بينغ يتعارض مع طبيعة الجغرافيا السياسية. فالصين لن تتخلى عن أهدافها العالمية. لكن المواقف السلبية والساكنة التي أبدتها بكين في ملفي فنزويلا وإيران أخرجت بالفعل خيارات آسيا-المحيط الهادئ والأوراسية من المعادلة في السياسة العالمية. والصين، مثل روسيا، ستحاول الحفاظ على موقعها في النظام العالمي الجديد عبر التفاهم مع الولايات المتحدة مقابل بعض التنازلات. وفي أسوأ الأحوال سيتم التوصل إلى "مودوس فيفيندي/تفاهم مؤقت" متبادل. كما أن الصين ستترك إيران لمصيرها، مثلما فعلت مع فنزويلا، مقابل بعض الصفقات. أي إن الصين لن تتمرد أبدًا على الولايات المتحدة. وإن ارتداء وزير الخارجية الأمريكي روبيو، خلال زيارته إلى بكين، بدلة رياضية مشابهة لتلك التي كان يرتديها نيكولاس مادورو لحظة اعتقاله بعد اقتياده من منزله، يقول كل ما يجب قوله. فالصين، التي لم تحرك ساكنًا من أجل حليفتها فنزويلا، تتبع الاستراتيجية نفسها في أزمة إيران، وستواصل ذلك. كما أن ظهور روبيو في بكين مرتديًا بدلة رياضية هو أصلًا الدليل الأكثر وضوحًا على ذلك.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس