ترك برس

سلط الأستاذ المشارك الدكتور إبراهيم كاراتاش، الضوء على تصاعد التصريحات الإسرائيلية التي تلوّح باحتمال مواجهة عسكرية مع تركيا، ولا سيما في شرق المتوسط، مشددا على ضرورة رفع أنقرة مستوى جاهزيتها الدفاعية وتعزيز إجراءاتها الاستخباراتية في مواجهة التهديدات الإقليمية المتزايدة.

وأشار الباحث التركي في مقال على موقع "فوكس بلس" إلى ما صرح به وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي، مؤخرا قائلا: «يجب أن نكون مستعدين للحرب مع تركيا. قد يحدث احتكاك، أو اشتباك، مع الجيش التركي في البحر. هذا ليس سيناريو مستحيلا، وقد يحدث حتى غدا».

وسبق لشيكلي أن تحدث عن احتمال دخول إسرائيل في حرب مع تركيا. كما قال العميد الإسرائيلي المتقاعد أمير أفيفي إن الحرب الكبرى المقبلة قد تكون مواجهة بحرية مع تركيا.

وعند النظر إلى الرؤية الإسرائيلية العامة تجاه تركيا، يمكن فهم أن الإسرائيليين باتوا ينظرون إلى الحرب معها على أنها أمر لا مفر منه.

ويعيش الإسرائيليون حالة ذهنية لم يعودوا معها يرون ضرورة للاكتفاء بالتلميح، بل أصبحوا يتحدثون مباشرة عن الحرب. فقد بدأوا أولا بإعلان تركيا عدوا، ثم شرعوا في تطوير حجج تفسر أسباب اعتبارها كذلك، وما زالوا يواصلون ذلك.

وفي الوقت الراهن، يزعمون أن تركيا تتبع سياسة توسعية في المنطقة، وأنها تحتل قبرص، وأنها أصبحت مركزا جديدا لحركة حماس. كما ادعوا، من حين إلى آخر، أن تركيا تريد القضاء على إسرائيل.

وأثاروا بصورة خاصة تصريح وزير الداخلية مصطفى تشيفتشي، الذي قال إنه يحلم بأن يصبح، ولو ليوم واحد، واليا على القدس.

وتُستخدم هذه الخطابات، بحسب الكاتب، لتوفير شرعية لأي هجوم محتمل على تركيا، التي جرى تصويرها عدوا، ولإقناع الولايات المتحدة بذلك.

ويقوم خطابهم على القول لتركيا: «تتهمينني بارتكاب إبادة جماعية في غزة، لكن انظري أولا إلى الإبادة الأرمنية المزعومة لديك. وتصفينني بالمحتل، بينما أنت من يحتل قبرص».

وهناك العديد من الحجج المضادة التي يمكن استخدامها للرد على هذه الادعاءات. فمن الممكن القول مثلا: «ما تقوله لا قيمة له، في وقت لا يعترف فيه حتى رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان بما يسمى الإبادة الأرمنية».

كما يمكن دحض الطرح المتعلق بقبرص بالقول إن التدخل التركي جاء لإنقاذ القبارصة الأتراك من الاضطهاد، وإن القبارصة الروم هم الذين انسحبوا من طاولة المفاوضات خلال السنوات اللاحقة.

بل يمكن إحراج الجانب الإسرائيلي بالسؤال: «هل ستنسحبون من فلسطين إذا انسحبت تركيا من قبرص؟».

وردا على اعتراضهم على حلم الوزير تشيفتشي، يمكن القول أيضا: «إذا كان من حقكم، كشعب، أن تحملوا حلما يمتد ثلاثة آلاف عام، فلماذا لا يحق لوزير تركي أن يحلم بالقدس، وهي ليست ملكا لكم؟».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب رئيس إدارة قبرص الرومية نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس

لكن حتى لو قيلت هذه الحجج، فإنهم سيغلقون آذانهم، لأن الجمهور المستهدف ليس الأتراك. فالهدف هو تحريض شعوب لديها خلافات مع تركيا، مثل اليونانيين والقبارصة الروم والأرمن.

ولهذا السبب ينشرون الادعاءات المذكورة في الصحف اليونانية، بل ويكتبون منشورات باللغة اليونانية.

ويبدو أن توظيف القضية الأرمنية ارتد عليهم، لأن الأرمن قالوا بوضوح إن الغاية ليست دعمهم، بل إلحاق الضرر بتركيا.

ومرة أخرى، فإن هذا العداء المتصاعد لتركيا يُستخدم لتهيئة الأرضية للحرب. فالإسرائيليون لا يريدون تركيا قوية.

ويعتقدون أن إيران جرى تحييدها بطريقة ما، أو أنهم نجحوا، على الأقل، في نقل الحرب التي خاضوها معها إلى الولايات المتحدة بمهارة كبيرة، قبل أن يتوجهوا إلى الهدف التالي، وهو تركيا.

ويمكن تفسير هذا التوجه بأنه استعداد للحرب.

وتقوم العقلية الإسرائيلية، بحسب الكاتب، على التصور التالي: «تركيا تزداد قوة باستمرار. جيشها البري أصبح أفضل، وقواتها البحرية أيضا أصبحت أقوى، ولم يتبق لنا سوى التفوق الجوي. لذلك يجب أن نهزم العدو قبل أن يصل إلى مستوانا في الجو وقبل أن يزداد قوة. وحتى إن لم نتمكن من القضاء عليه، فعلينا شل قدراته العسكرية، كي لا يجرؤ على مواجهتنا مرة أخرى. وهكذا لن يبقى لنا منافس في المنطقة، وسنتمكن من الهيمنة عليها بالكامل».

وهذه الخلاصة مستمدة من التعليقات المنشورة في وسائل الإعلام الإسرائيلية.

وقد يقول البعض إن ما يجري مجرد حرب كلامية. وقد يذهب آخرون إلى أفكار غير منطقية، من قبيل أن تركيا وإسرائيل تخوضان صراعا متفقا عليه بينهما.

لكنني، بوصفي شخصا يتابع إسرائيل عن قرب، أستطيع القول إننا نقف على حافة الحرب.

ويرى بعض الخبراء أن «الخطاب انعكاس لما يدور في الذهن»، بينما يرى آخرون أن الخطاب قد يؤجج عداوة لم تكن موجودة أصلا.

وفي حالة العداء التركي الإسرائيلي، يمثل الخطاب انعكاسا واضحا لرغبة إسرائيل في خوض حرب مع تركيا.

أما الادعاء بأن هذه مجرد تهديدات فارغة، فهو غير صحيح.

وبالتالي، مهما كانت الزاوية التي ننظر منها إلى العلاقات التركية الإسرائيلية، فإن هناك حالة حرب قائمة.

والحقيقة أن تركيا لا تنوي خوض حرب مع إسرائيل، بل تكتفي بالتعبير عن غضبها منها، لكن الوضع مختلف بالنسبة إلى إسرائيل.

فغرورها قد يدفعها إلى اعتبار الكراهية والانتقادات الموجهة إليها سببا للحرب.

وبالنظر إلى أن تركيا ليست قوة عادية، يمكن تصور أن إسرائيل تتعامل مع خطابها بجدية أكبر.

وباختصار، فإن غرور إسرائيل وثقتها بنفسها لا يسمحان لها بتحمل انتقادات تركيا القوية. وعندما يكون الخصم قويا، يدخل الخوف على الخط، ويتحرك الدافع إلى القضاء عليه.

ولهذا لا يستطيع المسؤولون الإسرائيليون كتمان ما يدور في أذهانهم، فيقولون: «قد نخوض حربا».

وعندما تكون إسرائيل هي التي تقول إنها قد تحارب، فيجب التعامل مع كلامها بجدية.

فإذا أرادت إسرائيل الحرب، فإنها ستخوضها. ولن يمنع الموقف السلمي اندلاع الحرب، بل قد يُفسر على أنه خوف أو ضعف، ما سيمنح إسرائيل مزيدا من الجرأة.

ولهذا فإن اتخاذ وضعية الاستعداد للحرب هو الخيار الوحيد.

وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي

وكما قال الوزير الإسرائيلي، قد يقع اشتباك في البحر. وربما تستهدف إسرائيل سفينة تركية، أو تحاول إسقاط طائرة تركية.

وقد تتخذ تصريحا ما ذريعة لتطبيق عقيدة «اقتل أولا»، ثم تبدأ هجوما شاملا.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الاحتمالات باعتبارها مبالغات. فقد اعتقدت إيران ذلك أيضا، ثم خسرت عددا كبيرا من كبار مسؤوليها، بمن فيهم المرشد الديني علي خامنئي، وفق ما يورده الكاتب.

ويتعين على تركيا أن تبقى في حالة تأهب. فإذا كانوا يتحدثون عن احتمال وقوع اشتباك في البحر، فعليها أن تكون مستعدة بحريا.

وإذا كانوا يوجهون تهديدات في قبرص أو سوريا، فعليها أن تستعد في تلك المناطق.

وعندما يندلع حريق في شركة للصناعات الدفاعية، ثم تسقط مروحية تابعة للشركة نفسها في اليوم ذاته، ينبغي وضع احتمال وجود مؤامرة في الحسبان.

كما يجب متابعة ما يفعله الأشخاص داخل البلاد، والتحقق من سلامة كل منتج يدخل إليها، والتدقيق فيما إذا كان شخص يدخل بصفته مواطنا أميركيا يعمل في الحقيقة لصالح الاستخبارات الإسرائيلية.

وهناك تدابير كثيرة أخرى ينبغي اتخاذها.

ويجب إيلاء اهتمام خاص للعمل الاستخباراتي، إذ بات من الواضح أن أعظم قوة يمتلكها الخصم هي استخباراته.

فهو يستطيع بفضل المعلومات الاستخباراتية توجيه ضربة تشل الطرف المقابل، ثم يتولى بسهولة ما تبقى من المهمة، بل قد يعهد باستكمالها إلى طرف آخر من دون أن يتدخل بنفسه.

ولأن تركيا دولة كبيرة، فمن السهل على العملاء والمخبرين الاختباء داخلها وتنفيذ عملياتهم. ولهذا ينبغي بذل جهود إضافية لكشفهم والقبض عليهم.

وفي الختام، من الحيوي أن تتخذ تركيا وضعية استعداد للحرب من دون إعلان رسمي، وبطريقة لا تثير الذعر.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!