ترك برس

أعادت هدية قدمها رئيس بلدية شانلي أورفا الكبرى، محمد قاسم غولبنار، إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال زيارته للولاية مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026، تسليط الضوء على قصة منبر المسجد الأقصى التاريخي، الذي أمر نور الدين زنكي بصناعته قبل نحو 19 عامًا من تحرير القدس على يد صلاح الدين الأيوبي.

وتلقى أردوغان مجسمًا مصغرًا للمنبر التاريخي خلال زيارته إلى شانلي أورفا، في 3 أكتوبر/تشرين الأول، للمشاركة في افتتاح عدد من المشاريع والمنشآت الخدمية، بينها مستشفى المدينة.

ووفقًا لما أوردته وسائل إعلام تركية، صُنع المجسم على يد الحرفي أيهان تشيتشك، المتخصص في فن الزخرفة الخشبية التقليدية المعروف باسم «كوندكاري»، الذي يعتمد على تركيب قطع الخشب المتداخلة لتشكيل زخارف هندسية دقيقة.

وجاء اختيار الهدية لاستحضار الروابط التاريخية والروحية التي تجمع مدينة حرّان التابعة لشانلي أورفا بالقدس، من خلال إرث نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي.

منبر ينتظر تحرير القدس

تعود قصة المنبر إلى عامي 1168 و1169 ميلاديًا، عندما أمر نور الدين محمود زنكي بصناعته في مدينة حلب السورية، بينما كانت القدس لا تزال تحت سيطرة الصليبيين منذ احتلالها عام 1099.

وكان زنكي، الذي قاد جهود توحيد مناطق واسعة من بلاد الشام ومواجهة الإمارات الصليبية، يطمح إلى استعادة القدس، فأمر بإعداد منبر خشبي فاخر ليُنقل إلى المسجد الأقصى بعد تحرير المدينة.

وتميز المنبر بزخارف هندسية ونقوش خشبية دقيقة، اعتمدت على تعشيق قطع الخشب وتداخلها، ليصبح لاحقًا أحد أبرز نماذج الفن الإسلامي في العصور الوسطى.

لكن نور الدين زنكي توفي عام 1174، قبل أن يتحقق مشروعه باستعادة القدس، وبقي المنبر في حلب سنوات إضافية.

صلاح الدين يحقق حلم نور الدين زنكي

بعد وفاة زنكي، واصل صلاح الدين الأيوبي مواجهة الصليبيين، حتى تمكن من تحقيق انتصار حاسم في معركة حطين عام 1187، أعقبه تحرير القدس في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.

وعقب دخول المدينة، أمر صلاح الدين بنقل المنبر الذي أعده نور الدين زنكي من حلب إلى المسجد الأقصى، حيث وُضع في المصلى القبلي، وأصبح يُعرف لاحقًا باسم «منبر صلاح الدين».

واكتسب المنبر مكانة تاريخية خاصة، باعتباره رمزًا لاستمرار مشروع استعادة القدس بين قائدين من أبرز الشخصيات الإسلامية في القرن الثاني عشر.

ما علاقة مدينة حرّان بالقصة؟

ترتبط الهدية أيضًا بمدينة حرّان التاريخية، الواقعة ضمن ولاية شانلي أورفا، والتي كانت مركزًا علميًا ودينيًا مهمًا في المنطقة خلال العصور الإسلامية.

وتذكر روايات محلية أن نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي ارتبطا بالشيخ حياة الحراني، أحد أبرز المتصوفة الذين عاشوا في حرّان خلال القرن الثاني عشر.

وبحسب هذه الروايات، زار القائدان الشيخ، الذي بشّرهما باستعادة القدس، غير أن تفاصيل هذه اللقاءات ومدى صحتها لا تزال موضع نقاش تاريخي، ولا تتوافر أدلة قاطعة تثبت جميع عناصر الرواية المتوارثة.

من حريق الأقصى إلى إعادة بناء المنبر

بقي المنبر في المسجد الأقصى قرابة ثمانية قرون، حتى دُمّر في الحريق المتعمد الذي أشعله الأسترالي دينيس مايكل روهان داخل المسجد في 21 أغسطس/آب 1969.

وأدى الحريق إلى تدمير المنبر وإلحاق أضرار بأجزاء من المصلى القبلي، قبل إطلاق مشروع لإعادة تصنيعه اعتمادًا على الصور التاريخية والقطع المتبقية والزخارف الأصلية.

وبدعم وإشراف أردني، أُعيد بناء المنبر، وثُبّت في موقعه التاريخي داخل المسجد الأقصى في الثاني من فبراير/شباط 2007.

وبعد أكثر من ثمانية قرون على وضع المنبر في القدس، أعادت الهدية المقدمة إلى أردوغان إحياء قصته، بوصفها رمزًا تاريخيًا يجمع بين حلب وحرّان والقدس، ويحمل إرثًا معماريًا ودينيًا ارتبط باسمَي نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!