
ندرت إرسانيل - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
جاء وصول ترامب إلى الرئاسة في وقت كان فيه النظام الاقتصادي العالمي والنظام النيوليبرالي يقدمان خاتمة بائسة، وهو ما أفضى أيضاً إلى إنشاء شبكات جديدة لرأس المال والسلطة. وقد حظي ترامب بالدعم بوصفه قائداً لمشروع إنقاذ الولايات المتحدة عبر وضعها في المقام الأول، ولهذا التوجه صدى واضح لدى القاعدة الانتخابية، وفي مقدمتها الجمهوريون…
مع هزيمة ترامب، فإن كل من يخلط بينه وبين المسار الذي أوصله إلى السلطة سيحترق. ترامب يرحل، لكن المسار مستمر. ومن يستثمر عكس هذا الاتجاه لا يدرك حقيقة المشهد العالمي. وستواجه جميع الدول هذا الواقع…
إن «الحقبة السياسية» لترامب، التي انتهت اعتباراً من 3 نوفمبر/تشرين الثاني، لن تعود ذات جدوى كبيرة، حتى وإن ظلت الصلاحيات الإدارية في يده. وسنرى ذلك في جميع التحديات التي ستواجه السياسة الخارجية الأمريكية. فعلى سبيل المثال، لم يعد خيار ضرب إيران أو عدم ضربها قادراً على أن يكون جزءاً من إرث الرئاسة. وبعد 10 أيام، في قمة القوى العظمى المرتقبة بين ترامب وبوتين وشي جين بينغ، ستتحدد المسألة بما تبقى من «رجولتكم»…
لكن المسألة ليست هذه تماماً أيضاً؛ فهل يحتفل شركاء الديمقراطيين في العالم بفوزهم الساحق في انتخابات التجديد النصفي بحماسة؟ قد يكون بعض القادة والنخبة الأوروبية وزيلينسكي وبريطانيا سعداء. لكن حسناً، هم ليسوا من يعيشون هذه الأزمة. فالمشكلة المتعلقة بالولايات المتحدة تتمثل في أنها فقدت القدرة على «التجدد/التعافي»، التي تشكل تقليداً حيوياً لها، وتُعد بمثابة الشيفرة الجينية للدولة. نحن لا نتحدث عن نوع من «التحديث»، بل عن «النهوض من الرماد». إنها عاجزة عن النهوض من جديد. وكل ما تفعله هو الدوران في مكانها، فتغرق أكثر، وكلما غرقت أكثر تضاءلت قدرتها على الصمود…
لا يمكن شرح هذه الحقيقة في الوقت الراهن من خلال الجمهوريين، لأن الجميع ينظرون إلى ترامب لا إلى المسار. لكن يمكن شرحها من خلال الديمقراطيين. فقد استحوذ الديمقراطيون بفارق كبير على أقوى ركائز النظام الإداري الأمريكي، وهذا يشمل امتلاكهم القدرة على شلّ العديد من مفاصل الدولة. ويرى كثير من المعلقين الأمريكيين أيضاً أن ذلك يبعث بإشارة بشأن انتخابات الرئاسة عام 2028. لنفترض أن الديمقراطيين قدموا مرشحاً لامعاً وفازوا… ثم ماذا؟
تستند القوة العظمى الأمريكية إلى بضعة عناصر؛ الشبكة المهيمنة عالمياً، والدولار، والجيش، والقيم. أما العنصران الأول والأخير فلم يعودا موجودين أصلاً. لقد انتهت أوروبا. وصعدت القوى متوسطة الحجم. والعالم متعدد الأقطاب يواصل كسب المزيد من المساحة. والولايات المتحدة تعيد تنظيم نطاق نفوذها بما يتناسب مع ما تبقى لديها من قوة. فهي تتخلى عن المواقع التي لا تشكل تهديداً استراتيجياً كبيراً، أو تقلص وجودها فيها، وتعيّن دولاً متوسطة الحجم حراساً في المواقع التي قد تشكل تهديداً من هذا النوع.
أما ملف الجيش، فينبغي أن يكون الآن الأقل تداولاً؛ فقد لقّنت إيران الولايات المتحدة درساً قاسياً وأجبرتها على الرحيل. لقد هُزمت الولايات المتحدة. وحتى لو محوا إيران تماماً من الخريطة باستخدام الأسلحة النووية، فلن يكون لذلك أي أثر يُذكر بعد الآن. فالقوة العسكرية الأمريكية تعاني مشكلات بنيوية. والأمر نفسه ينطبق على مسألة الدولار، وهي القضية الأكثر إثارة لانزعاجهم. إذ يفقد الدولار صفته العالمية شيئاً فشيئاً، يوماً بعد يوم. ولهذا السبب تحديداً اندلعت كل هذه العاصفة.
والأسوأ من ذلك أنهم لا يفهمون حقيقة الوضع. والأمر نفسه ينطبق على أوروبا. فهناك اضطرابات اجتماعية وسياسية في 15 دولة، والاتحاد الأوروبي فقد فاعليته، فيما تنتظر القارة انتخابات على امتداد عام كامل. إنهم منشغلون بمقاعد السلطة، لكنهم ينظرون إلى فقدان ترامب قوته باعتباره أملاً. والحقيقة أن ترامب لم يكن من أعدّ نهايتهم. وإذا خسروا الانتخابات، فسيعتبرون ذلك أيضاً هزيمة في صناديق الاقتراع. وليس عملية تطهير! وهذا يقودنا إلى المسألة الأساسية…
كانت الأطروحة المضادة التي طُرحت على الطاولة قبل 15 عاماً تقول: «ينبغي للولايات المتحدة أن تخرج من هذا المأزق حتى عام 2030، وأن تجدد نفسها وتعود إلى النظام. ولهذا السبب، فإن انتخابات عام 2028 والرئيس الذي ستفرزه ستكون مسألة حيوية».
هذه قراءة جيوسياسية. فقد جرى ضبطها وجدولتها وفقاً للظروف الخارجية أكثر من الشؤون الداخلية. وهي تضع الصين في مواجهتها. وتحدد الوقت اللازم لتعافي أمريكا، وترسم سيناريو «للبعث من جديد» يمتد من خمس إلى عشر سنوات، بقيادة السلطة المناسبة. وأنا أتفق جزئياً مع هذه الفكرة أيضاً؛ فإذا لم يكن بالإمكان وضع قواعد اللعبة حتى ذلك الحين، فستنتهي اللعبة! وحتى الآن، لم يتحقق أي من عناصر هذه المهلة. كما أن الجزء الأكبر من الوقت قد استُهلك. ولم يتبقَّ سوى عام 2028…
والتحليل نفسه ينظر إلى نتائج هذه الانتخابات باعتبارها أمراً إيجابياً. فلنأخذ ذلك في الحسبان؛ فبعد انتهاء عهد بايدن والمدرسة الليبرالية الديمقراطية، جرت تصفية الفئة «غير المرغوب فيها» داخل الجمهوريين أيضاً، في سياق تصفية الحسابات بين رؤوس الأموال الكبيرة والجديدة في المنافسة الاقتصادية العالمية. ومع تطهير شرايين واشنطن، أي مجلس النواب ومجلس الشيوخ، أُعدّت أرضية جديدة تنطلق منها البلاد نحو عام 2028. والآن جاء دور الرئيس…
هل هذا ممكن؟
من الناحية الفنية، نعم. لكن الظروف السياسية والاقتصادية لا تسير في هذا الاتجاه. أولاً، لا يوجد في الساحة أي مرشح رئاسي بهذه المواصفات. كما أن الأعضاء الجدد في الكونغرس لا يبدون من الفئة التي تفهم هذه المسألة. وتقف وراء معظمهم قوة اللوبي اليهودي ونفوذه. أي إنهم نتاج النظام القائم. وليس في الولايات المتحدة وحدها، بل في أوروبا والعالم أيضاً، تتردد تحذيرات من أزمات محتملة قد تكون مزلزلة. أما منافسو الولايات المتحدة، التي أنهكتها الأزمات المتعددة باستمرار، فيراقبون المشهد وهم مطمئنون وممددون أرجلهم…
وأخيراً، لا يمتلك الديمقراطيون في رصيدهم أو خبرتهم المتراكمة أي مقومات تتعلق بحلول جذرية وحاسمة. فلا خطة ولا برنامج. ولا أمل. ولو كان لديهم شيء من ذلك، لأنجزوه خلال عهد بايدن. أما الحرب في أوكرانيا فقد اندلعت لأنهم لم يتمكنوا من فعل ذلك، ولأنه لم يعد أمامهم طريق للخروج. وترامب ترك أوروبا لأنه لم يتمكن من إنقاذها. إن الليبراليين عندنا وفي العالم يحتفلون عبثاً بانتصار الديمقراطيين. لقد أحدثت هزيمة ترامب الثقيلة، بطبيعة الحال، اضطراباً في موازين القوة. لكن من الذي يركب موجة هذا الاضطراب يا ترى؟
كما تكبدت طبقات رأس المال القديمة والجديدة، التي تشكل جزءاً من المنافسة/الحرب، خسائر أيضاً. لقد بالغوا في تقديس «الذكاء الاصطناعي» إلى حد أن أحداً لم ينتبه إلى دلالة اعترافات التوبة التي أطلقها فجأة، وقبيل الانتخابات مباشرة، أولئك الذين ابتكروه وأنتجوه بأنفسهم، من قبيل: «ما كان ينبغي لنا أن نصنع الذكاء الاصطناعي أصلاً، أوقفوا هذا الأمر». في حين أن هذا هو السلاح الوحيد المتبقي لأمريكا.
أو ما دلالة التصريحات التي أدلى بها الصحفي تاكر، بالتزامن مع توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع مجدداً، بشأن إسقاط قنبلة نووية على إيران، حتى إنه حدد موعد ذلك؟ هل ستستمع القيادة المركزية الأمريكية/البنتاغون، التي لم تصغِ إلى ترامب عندما كان في موقع السلطة، إليه الآن؟ لقد تغيرت الموازين كثيراً. وينبغي للجميع أن يفكروا جيداً في شؤونهم وعلاقاتهم مع الولايات المتحدة. أو استمروا في متابعة من فاز في تكساس ومن خسر في ألاسكا…
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس














