إدريس كرداش – خبر تورك (31.05.2026) - ترجمة وتحرير ترك برس

لقد أتيحت لي مؤخرًا فرصة قراءة «مؤشر ميونيخ للأمن لعام 2026» الخاص بمؤتمر ميونيخ للأمن، الذي عُقد خلال الأشهر الماضية بمشاركة رئيس جهاز الاستخبارات التركي هاكان فيدان.

ويستند مؤشر ميونيخ للأمن إلى استطلاعات رأي شملت أكثر من 12 ألف مشارك من عشرات الدول، من بينها دول مجموعة السبع، والبرازيل، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا.

وقد شارك في هذا الاستطلاع إلى جانب المواطنين، عشرات من وزراء الخارجية، ورؤساء الأركان، ومديري أجهزة الاستخبارات. أي أن هذا التقرير يتجاوز مجرد توقعات محللي القاعات المغلقة، ولهذا يستحق الدراسة بجدية.

وكانت النتيجة الأكثر أهمية في الدراسة هي الآتي:

إن النظام الدولي الذي وُلد من رماد الحرب العالمية الثانية لم يعد يعمل.

وهذا الاستنتاج ليس غريبًا علينا بالطبع.

فمقولة الرئيس رجب طيب أردوغان حول بنية مجلس الأمن الدولي الظالمة وغير الفعالة، والتي عبّر عنها بعبارة «العالم أكبر من خمسة»، إضافة إلى خطابه «عالم أكثر عدالة ممكن»، هي حقيقة ظل يكررها في كل المنصات الدولية منذ سنوات.

وبحسب الاستطلاع، فإن 68% من النخب العالمية ترى أن مجلس الأمن الدولي أو المحاكم الدولية تحولت إلى مجرد واجهة غير قادرة على منع الصراعات الكبرى.

ويرى 71% من المشاركين أن حرية الملاحة في طرق التجارة البحرية ستصبح أكثر عدم استقرار خلال السنوات الخمس المقبلة.

أما أمن الطاقة فقد خرج من كونه عنوانًا اقتصاديًا، وأصبح يُعرّف – بحسب نص التقرير – بأنه «حرب مباشرة على السيادة الوطنية».

ويُطلق التقرير على هذا الواقع اسم عالم «الخسارة المتبادلة».

فمنطق «الرابح–الرابح» الذي كان يومًا ما معيار العلاقات الدولية، والنظام الليبرالي الذي يفترض أن الجميع يكسب معًا، قد تحوّل إلى عقلية «لا أرغب بالخسارة، وإن لزم الأمر فليخسر الآخر».

ويقول التقرير إن «المظلات الكبيرة تحطمت، وعلى الجميع الآن ارتداء معطف المطر الخاص به».

وفي هذا السياق، يُطلق تقرير ميونيخ على الاستراتيجية الجديدة اسم «التعددية المصغرة» (التحالفات الصغيرة).

أي بدل التحالفات الكبرى الثقيلة والمثقلة بالأيديولوجيا، يتم تشكيل تحالفات مرنة، موجهة نحو هدف محدد، وبراغماتية، تُنشأ لكل أزمة على حدة.

وباختصار أكثر، يُطلق على ذلك «السياسة الخارجية الانتقائية»؛ أي اختر ما تريده من القائمة واترك الباقي.

قد تبدو هذه النظرية رائجة في أروقة الغرب عام 2026، لكن تركيا بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان قرأت هذا التحول منذ وقت مبكر جدًا.

فعند النظر إلى السنوات الخمس عشرة الأخيرة من السياسة الخارجية التركية في عصر «غياب القواعد» الذي يصفه تقرير ميونيخ، نرى أنها سارت بالفعل وفق هذا النهج، خاصة بعد محاولة انقلاب 15 يوليو حيث أصبح هذا التوجه أكثر وضوحًا.

وقد وصف المحللون الغربيون ووسائل الإعلام هذا النهج لفترة طويلة بأنه «عدم قابلية للتنبؤ» أو «عدم موثوقية». وكما تعلمون، تعرضنا لانتقادات شديدة بسبب ذلك. ففي الانتخابات، لم يكن الرئيس أردوغان يواجه المعارضة المحلية فقط، بل النظام الدولي أيضًا، بوسائله الإعلامية ومراكز أبحاثه وكل أدواته الدعائية.

لكن هذا الخيار التركي، على عكس ما ظنوه، كان نتيجة قراءة مبكرة جدًا للواقع. ويمكننا اليوم رؤية ذلك بوضوح أكبر.

فتركيا كانت من أوائل الدول التي شككت في فاعلية النظام الدولي، وتموضعت وفقًا لذلك.

فلننظر إلى بعض الأمثلة العملية لهذا التموضع

على سبيل المثال، وبوصفها عضوًا في الناتو، لم تقف تركيا موقف المتفرج من حرب روسيا وأوكرانيا.

فهي لم تتجاهل ما تعرضت له أوكرانيا، واستقبلت رئيسها مرارًا، وأكدت الهجمات التي تتعرض لها بلغة دبلوماسية داعمة للسلام في الساحة الدولية.

لكنها في الوقت نفسه لم تنضم إلى نظام العقوبات الغربية ضد روسيا، بل حافظت على قنواتها الدبلوماسية والاقتصادية مع موسكو مفتوحة.

حاول الغرب في البداية تحويل علاقة تركيا مع روسيا إلى أزمة، لكنه سرعان ما استفاد هو نفسه من الدور الإيجابي الذي لعبته تركيا في هذه الحرب.

لم يتمكن مجلس الأمن من إنتاج أي آلية لصالح أوكرانيا لعدة أشهر، وبقي عاجزًا عن العمل. كما ظلت السفن المحملة بكميات ضخمة من الحبوب عالقة في البحر الأسود.

وفي النهاية، كانت تركيا هي الفاعل الوحيد الذي فعّل «اتفاق ممر الحبوب في البحر الأسود». وقد تم ذلك لأننا كنا قادرين على التحدث مع كل من موسكو وكييف في الوقت نفسه. وبعدها، أجرينا أحد أكبر عمليات تبادل الأسرى في التاريخ بوساطتنا المباشرة.

وهنا تتجسد بوضوح أطروحة «السياسة الخارجية الانتقائية» في تقرير ميونيخ.

فلو كان شرط الالتزام بالكتل الجامدة قائمًا، لما تم توقيع اتفاق الحبوب أصلًا.

أما الملف السوري، فهو أحد أوضح الأمثلة على فشل المنظمات الدولية الكبرى في إنتاج حلول، كما يشير تقرير ميونيخ.

فقد استمرت عملية جنيف لسنوات، وعُقدت اجتماعات متتالية دون أي نتيجة ملموسة.

في مواجهة هذا الجمود، تحركت تركيا بواقعية نابعة من وجودها على الأرض.

فجلست مع روسيا وإيران وأنشأت «مسار أستانا». لم تكن هناك روابط أيديولوجية، لكن حسابات المصالح الإقليمية جمعت هذه الدول حول طاولة واحدة، وهو مثال كلاسيكي على أطروحة «التعددية المصغرة».

ومن جهة أخرى، كانت التوترات داخل الناتو حول الدعم الأمريكي لـ YPG/PKK معروفة للجميع.

لكن تركيا لم تكتفِ بالشكوى الدبلوماسية، بل نفذت عمليات عسكرية مثل «درع الفرات» و«نبع السلام»، وتولت بنفسها تأمين حدودها.

أي إنها «ارتدت معطفها الخاص». وبنت أمنها الحدودي بنفسها، بعيدًا عن تناقضات التحالف الغربي.

ويؤكد تقرير ميونيخ على ضرورة أن تقوم الدول بـ«محلية قدراتها الدفاعية».

وفي هذا السياق، يمكن وصف تحول تركيا خلال السنوات الأخيرة بأنها لم تعد مجرد وسيط سياسي، بل قوة جيوسياسية مُصدّرة للتكنولوجيا.

فعلى سبيل المثال، فشلت مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والتي تضم الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا، في حل نزاع ناغورنو كاراباخ المجمد طوال 30 عامًا.

ثلاثون عامًا من الاجتماعات والبيانات، دون أي تغيير على الأرض.

لكن تركيا، عبر دعمها لأذربيجان، أنهت هذه المشكلة خلال 44 يومًا فقط. وهذا مثال مثالي على صحة أطروحة ميونيخ حول فعالية التحالفات الصغيرة والتكنولوجيا العسكرية المحلية.

كما يكشف مؤشر ميونيخ أن أكثر من 80% من التجارة العالمية التي تمر عبر الطرق البحرية أصبحت خاضعة لمنطق الردع العسكري أكثر من القانون الدولي.

وقد رأينا ذلك في الحرب مع إيران، وهو ما يوضح مدى أهمية موقف تركيا المبكر في شرق المتوسط.

وقد صوّر الخطاب الغربي المهيمن «الوطن الأزرق» على أنه سياسة توسعية عدوانية.

لكن تقرير ميونيخ يسجل حقيقة مختلفة: عندما تصبح آليات القانون البحري الدولي عاجزة، تصبح القوة البحرية أداة ضرورة لا خيارًا.

وبناءً على ذلك، عندما أعلنت تركيا عقيدة «الوطن الأزرق» التي تغطي 462 ألف كيلومتر مربع في بحر إيجه وشرق المتوسط، كانت تنطلق من هذا الإدراك.

وقد أرسلت سفن الحفر «فاتح» و«ياووز» و«قانوني» إلى الميدان مدعومة بسفن البحرية التركية والطائرات المسيّرة المحلية.

وردّت على الضغوط العسكرية لليونان وفرنسا بقوتها البحرية الخاصة.

ولو أنها التزمت بالتحالفات التقليدية وسحبت سفنها، لكانت اليوم خارج طاولة صراعات الطاقة بالكامل.

وهذا بالضبط ما يشير إليه مؤشر ميونيخ: لا يمكن حماية الحقوق البحرية إلا بالردع العسكري.

وعند النظر إلى السنوات الخمس عشرة الأخيرة لتركيا، نرى خطًا واضحًا: حيث تفشل المنظمات الكبرى، تُبنى تحالفات صغيرة. وحيث تتناقض مواقف حلفاء الناتو، ترسم تركيا خطها الاستراتيجي الخاص. وحيث يُفرض منطق «إما معنا أو ضدنا»، تتبنى تركيا منطق «الاثنين معًا».

لقد استوعبت تركيا بالفعل ما يسميه تقرير ميونيخ 2026 بـ«السياسة الخارجية الانتقائية» قبل أن يُكتشف هناك.

فبينما كان العالم يحاول فهم إلى أين يتجه في ميونيخ، كانت تركيا قد بدأت بالفعل في تنفيذ هذا الاتجاه على الأرض.

وهذا، بطبيعة الحال، نتيجة للرؤية العالمية والخبرة والموقف الحاسم للرئيس رجب طيب أردوغان، بوصفه أحد أكثر قادة النظام الدولي خبرة.

 

عن الكاتب

إدريس كارداش

المنسق العام لمنتدى الشؤون الدولية في جامعة "إسطنبول بيلغي"


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس