غورسال توكماك أوغلو – إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس

(الرئيس السابق لدائرة استخبارات القوات الجوية)

التحوّط من المخاطر والاستراتيجيات المعاملاتية لدى القوى المتوسطة في عصر الانقطاع الجيوسياسي الراهن: المخاطر ومقترحات الحلول

الملخص

في مرحلة «الانقطاع» متعددة الأقطاب، امتد الاحتكاك بين القوى الكبرى بعمق إلى المجالات الاقتصادية والمعرفية والاستخباراتية والهجينة. وتضطلع القوى المتوسطة (تركيا، الهند، باكستان، السعودية، قطر، مصر وغيرها) في هذه البيئة بدور الموازن/الوسيط من خلال استراتيجيات «التحوّط» (تقليل المخاطر وتعظيم العوائد) والاستراتيجيات «المعاملاتية» (البراغماتية، القائمة على الاتفاقات، والمركزة على تحويل الفرص إلى مكاسب).

وتُظهر أمثلة مثل حرب إيران عام 2026 (وخاصة جهود الوساطة التي بذلتها باكستان ودول المنطقة) ومجموعة «الرباعية» (المجموعة الدبلوماسية التي تأسست عام 2002 بهدف الوساطة في عملية السلام في الشرق الأوسط، وتتكون من الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا) أن هذه الأدوار تحمل في طياتها فرصاً ومخاطر في آن واحد. ويحلل هذا المقال الظروف الراهنة والروابط والتكاليف والمخاطر الممتدة من اليوم إلى المستقبل، ويقدم مقترحات حلول استراتيجية.

المقدمة: الحقيقة الجيوسياسية لعصر الانقطاع

يشهد النظام الدولي المعاصر مرحلة «انقطاع» أصبحت فيها التحالفات التقليدية غير كافية. فالتنافس بين الولايات المتحدة والصين يتعمق من خلال الانفصال التكنولوجي وتسليح سلاسل التوريد، بينما تعمّق روسيا الاحتكاك عبر الأساليب الهجينة والتخريبية. وتمثل حرب إيران–الولايات المتحدة–إسرائيل عام 2026، وأزمة مضيق هرمز، وديناميكيات الوكلاء، والعمليات المعرفية، تجليات ملموسة لهذا التعمق.

وفي هذه البيئة، لا تختار «القوى المتوسطة» (الدول المتأرجحة/المترددة) الاصطفاف الكامل مع طرف معين، كما أنها لا تبقى سلبية. وبدلاً من ذلك، فإنها تناور عبر «التحوّط» (إدارة الغموض الاستراتيجي) و«الدبلوماسية المعاملاتية» (اتفاقات قائمة على المصالح وقابلة للتراجع أو الإلغاء). ويُعدّ دور تركيا في البحر الأسود والشرق الأوسط والطاقة والرباعية، وتوازن الهند بين الرباعية والروس والصينيين، ووساطة باكستان الرائدة، ودور قطر التيسيري من وراء الكواليس، أمثلة حية على هذه الاستراتيجيات.

الروابط بين القوى الكبرى والقوى المتوسطة

بينما تسعى القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا) إلى استخدام القوى المتوسطة كمجالات نفوذ أو مناطق عازلة أو وكلاء، تدير القوى المتوسطة هذا الضغط عبر «الاصطفاف المتعدد» و«الاستقلالية الاستراتيجية»:

الولايات المتحدة: ضغوط الاصطفاف (الرباعية، الضوابط التكنولوجية، العقوبات).

الصين: الإكراه الاقتصادي والاعتماد المرتبط بمبادرة الحزام والطريق.

روسيا: النفوذ عبر الطاقة والوسائل الهجينة.

أما القوى المتوسطة فتخفف الاحتكاكات من خلال أداء دور «الموازن/الوسيط». ويتخذ «التحوّط» هنا بعدين: المخاطر–الاحتمالات (توزيع الاعتماد وعدم تركيزه)، وتعظيم المكاسب (الحصول على الاتفاقات والمكانة والاستثمارات من جميع الأطراف). وتشكل المقاربات «المعاملاتية» (الوساطة، مراكز الطاقة، الدبلوماسية المتخصصة) الأداة التشغيلية لهذه الاستراتيجية.

أمثلة:

تركيا: أمن مع الغرب بصفتها عضواً في حلف شمال الأطلسي، وطاقة مع روسيا، وتجارة مع الصين؛ ومنسق داخل الرباعية (مع باكستان والسعودية ومصر).

الهند: شراكة مع الولايات المتحدة عبر الرباعية، وتعاون دفاعي وطاقوي مع روسيا، وتجارة مع الصين؛ وهو نموذج أوسع للاصطفاف المتعدد.

باكستان وقطر: وساطة رائدة وخلفية في حرب إيران.

السعودية ومصر: تحوّط جماعي ضمن الرباعية الإقليمية.

وتوفر هذه الروابط للقوى الكبرى «ثاني أفضل» مستوى من التأثير، في الوقت الذي تُدار فيه الاحتكاكات.

مجالات الاحتكاك وعوامل الموازنة

مناطق الاحتكاك الرئيسية:

الشرق الأوسط/الخليج (الطاقة والوكلاء).

المحيطان الهندي والهادئ (التكنولوجيا والبحار).

البحر الأسود/أوروبا الشرقية (العبور والطاقة).

سلاسل التوريد العالمية والفضاءات المعرفية والاستخباراتية.

وتؤدي القوى المتوسطة في هذه المجالات وظيفة «المنطقة العازلة/الوسيط». ففي حرب إيران عام 2026، كانت جهود الرباعية (بقيادة باكستان وبمشاركة تركيا) الرامية إلى وقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، والسعي إلى الاستقرار الإقليمي، نتائج ملموسة لهذا الدور. كما يشكل مشروع الولايات المتحدة بشأن غزة ومجلس السلام في غزة الذي تأسس بقيادة تركيا مثالاً آخر.

التكاليف والمخاطر من اليوم إلى المستقبل

التكاليف:

التمدد أو الإرهاق الدبلوماسي والاستخباراتي المفرط.

العقوبات وفقدان المصداقية (على سبيل المثال التوترات داخل حلف شمال الأطلسي).

الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية.

المخاطر (في المستقبل):

بالنسبة للقوى المتوسطة:

عدم التمركز الفعّال في أي جهة.

الاعتماد المفرط.

الانجرار إلى صراع ساخن نتيجة سوء التقدير.

مخاطر نظامية:

تنافس هجين مزمن.

انهيارات في سلاسل التوريد.

خطر اندلاع حرب كبرى.

بالنسبة للقوى الكبرى:

فقدان القدرة على التنبؤ.

تراجع النفوذ وأدوات الضغط.

مقترحات الحلول: الواقعية الاستراتيجية والتحوّط الذكي

التحوّط الذكي: إدارة المخاطر والعوائد بشكل متوازن؛ وتجنب الغموض المفرط.

بناء القدرات: إعطاء الأولوية لتوطين الاقتصاد والصناعات الدفاعية والمؤسسات والتكنولوجيا (إذ لا يمكن استمرار التحوّط الخارجي من دون قاعدة داخلية متينة).

التحالفات المصغّرة: تعزيز الهياكل المرنة المشابهة للرباعية.

التركيز المتخصص والمعاملاتي: التركيز على المجالات التي تمتلك فيها الدولة نقاط قوة (الطاقة، الوساطة، العبور).

الإطار البوليمولوجي: تطوير استراتيجية تركز على «تغيير الحالة» بما يتوافق مع واقع حروب الجيل الخامس الهجينة؛ والتخلي عن البحث التقليدي عن النصر.

تقليل المخاطر: الإنذار المبكر، وإدارة السعة الدبلوماسية، والاتفاقات القابلة للتراجع عنها.

الخاتمة

في ظروف الانقطاع الراهنة، تُعد استراتيجيات التحوّط من المخاطر والاستراتيجيات المعاملاتية أكثر الأدوات عقلانية بالنسبة للقوى المتوسطة. فاعلون مثل تركيا والهند وباكستان وقطر والسعودية ومصر يضطلعون بدور موازن في مناطق الاحتكاك، مما يمنحهم قدراً أكبر من الاستقلالية ويسهم في الوقت نفسه في تحقيق السلام (خفض التصعيد). غير أن هذا الدور «هو نتاج جانبي للمصالح البراغماتية» وينطوي على مخاطر التمدد المفرط أو تجاوز الحدود. إن التحرك وفق الواقعية الاستراتيجية — عبر بناء القدرات، والتحوّط الذكي، وأشكال التعاون المصغّرة — من شأنه أن يقلل مخاطر المستقبل ويعظّم الفرص المتاحة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!