صالح تونا - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس

كيف ستتأثر تركيا إذا انسحبت الولايات المتحدة من أوروبا، التي لم تعد ترغب في تحمّل «الأعباء الأمنية» فيها؟

لا، ليس هذا سؤالاً خيالياً؛ فقد بات من الأسرار المكشوفة للجميع أن الولايات المتحدة تستعد للانسحاب.

فالمسألة لا تتعلق فقط بنقص الجنود، بل بإعادة بناء البنية الأمنية الأوروبية من الصفر.

وكما تدركون، فإن هذا ليس أمراً يمكن إنجازه بين ليلة وضحاها.

يبدو أن ما يُسمّى «مستوى الحضارة المعاصرة» الذي نتغنى به نحن، مقبل على مرحلة انتقالية مؤلمة إلى حد بعيد.

ولكي لا يشعروا بأنفاس روسيا الباردة تلفح أعناقهم، يتعين عليهم بلوغ مستوى «الردع» بأسرع ما يمكن.

لكن الردع لا يشبه حظر أعمال دوستويفسكي.

وفوق ذلك، فإن عرض الأسلحة في الواجهة لا يكفي أيضاً؛ بل لا بد من إقناع الطرف الآخر بأن لديكم الشجاعة الكافية للضغط على الزناد.

لقد دارت الأمور ووصلت إلى النقطة المناسبة تماماً، ولا بد من قول ذلك: إن وجود تركيا في «المعادلة الأمنية الجديدة» لأوروبا يكتسب أهمية حيوية.

إلى جانب امتلاكنا أحد أقوى الجيوش في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لدينا اتفاقية مونترو التي تمثل بمثابة صك ملكية البحر الأسود.

وخلاصة القول، إننا نقف في قلب خطوط الصدع الجيوسياسية الاستراتيجية.

فضلاً عن ذلك، تشكل طائراتنا المسيّرة وطائراتنا المسيّرة المسلحة، إلى جانب صناعتنا الدفاعية المحلية، بوابة إمداد موثوقة.

ويمكن لأزمة محتملة أن تتحول بالنسبة إلينا إلى فرصة هائلة للتصدير والتعاون التكنولوجي.

لكن للعملة وجهاً آخر أيضاً:

فقد نجد أنفسنا فجأة حراساً لأوروبا، عالقين بين فكي كماشة الغرب وروسيا.

المسألة تكمن في المكان الذي سنضع فيه قطعتنا على رقعة الشطرنج الجديدة.

فإذا اندمجنا بذكاء في البنية الدفاعية الأوروبية الجديدة، مستفيدين من تكنولوجيتنا وقدراتنا اللوجستية، فبوسعنا أخيراً تحويل أهميتنا الجيوسياسية إلى مكاسب اقتصادية ودبلوماسية تاريخية.

وإلا فسيكون ذلك مؤسفاً للغاية.

ولا سيما إذا استسلمنا لرياح الخطاب الحماسي القائل: «ما أشد استحالة الاستغناء عنا!»، فحينها، لا قدّر الله، لن نجني سوى القيام بدور حارس أوروبا.

وخلاصة ما أريد قوله هي أن السؤال الحقيقي يتمثل في الموقع الذي سنشغله داخل فراغ الأمن الهائل ذاك، أما ما عدا ذلك فمجرد كلام.

 

عن الكاتب

صالح تونا

كاتب في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس