
ترك برس
في مقال تحليلي نشره موقع Independent Türkçe، يستعرض جهاد إسلام يلماز، المنسق العام لمركز GÜVENSAM التركي، مفهوم «استخبارات العرفان» كاتجاه بارز في الفكر الاستخباراتي التركي خلال السنوات الأخيرة. ويرى أن الاستخبارات تُفهم عادة على أنها مسألة قدرة تقنية تشمل استخبارات الإشارات ومسح المصادر المفتوحة وجمع المعلومات البشرية والتحليل الخوارزمي، وهي عناصر حقيقية وضرورية تشكل عمود الاستخبارات الحديثة. غير أن مفهوم «استخبارات العرفان» يتجاوز هذا الإطار التقني، إذ يسعى إلى فهم الإنسان والمجتمع والنسيج الروحي-الثقافي الكامن خلف البيانات، مشيراً إلى طبقة لا تستطيع الأدوات التقنية قياسها، وهي القراءة العميقة لدوافع الفاعلين الداخلية وذاكرتهم التاريخية وبناء هوياتهم.
وينطلق الكاتب من كسر معرفي ينتقل من المعلومة إلى الفهم. فيوضح أن كلمة «عرفان» مشتقة من الفعل العربي «عرف»، لكنها ليست اكتساباً عادياً للمعلومات. ففي التقليد الصوفي، يختلف العرفان عن المعرفة النظرية التي تُكتسب بالاستدلال العقلي، ليشير إلى إدراك مباشر وبصيرة داخلية. وبدلاً من تفكيك المعرفة إلى أجزاء ودراستها منفردة، يسعى إلى استشعار الكل والمعنى والنية الكامنة خلفه. وعند تطبيق هذا المنظور على الممارسة الاستخباراتية، يتقدم فهم السياق الإنساني والثقافي والتاريخي الذي نشأت منه البيانات على مجرد مضاعفة البيانات الخام بلا نهاية.
ويربط يلماز هذا التوجه بالتكوين الفكري لرئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالين، الذي تشكلت مسيرته الأكاديمية حول الفلسفة الإسلامية والفكر الصوفي والحوار بين الحضارات. ويؤكد أن هذا الرصيد نقل إلى المؤسسة الاستخباراتية ليس مديراً فحسب، بل إبستمولوجياً أيضاً: فكرة أن المعرفة ليست مجرد شيء يُجمع، بل حقيقة يُدخل إليها ويُشعر بها ويُدرك بعمق. ويحوّل هذا المنظور العمل الاستخباراتي من نشاط هندسي تقني بحت إلى ممارسة فهم متعددة الطبقات تشمل العلوم الإنسانية والتاريخ والفلسفة.
وفي محور قراءة روح الفاعل، يشير الكاتب إلى أن الخطابات الرسمية والتصريحات والوثائق الاستراتيجية مصادر بيانات مهمة، لكن خلفها تكمن مخاوف ورغبات وصدمات تاريخية وتطلعات غير معلنة ومدفونة في اللاوعي. ويدّعي مفهوم استخبارات العرفان قراءة المناخ الروحي الذي وُلدت فيه هذه التصريحات، لا التصريحات ذاتها. ففهم سبب تمسك مجتمع ما برواية تاريخية معينة، أو استثماره العاطفي الشديد في رموز بعينها، أو الجراح الجماعية التي لا تزال تنزف، يتطلب حساسية تتجاوز حدود الأساليب الكلاسيكية. ويشدد على أن هذا النوع من القراءة لا يعني رفض البيانات التجريبية، بل يكملها ويمنحها عمقاً. فبينما تجيب البيانات الرقمية عن سؤال «ماذا»، تركز القراءة العرفانية على سؤالي «لماذا» و«كيف يشعر». وفي أي أزمة إقليمية، يظل فحص القدرات العسكرية والمؤشرات الاقتصادية والمراسلات الدبلوماسية ضرورياً، لكن التحليل يبقى ناقصاً دون فهم شعور المظلومية والبحث عن الكرامة الكامنين في الذاكرة التاريخية للأطراف.
أما القيمة الاستراتيجية للإبستمولوجيا الصوفية، فيبرزها الكاتب في قدرتها على التمييز بين الظاهر والحقيقة الكامنة خلفه، وهو تمييز أساسي في التقليد الصوفي. وعند ترجمته إلى الممارسة الاستخباراتية، يقدم إطاراً وظيفياً للغاية: الفرق بين الموقف المعلن للفاعل والدافع الحقيقي خلفه هو النقطة الأشد حرجاً في التحليل الاستراتيجي. وتحاول الأساليب الكلاسيكية ردم هذه الفجوة بتقنيات استخباراتية مثل اعتراض الاتصالات أو معلومات المصادر، بينما تقترح استخبارات العرفان بالإضافة إلى ذلك استشعار هذا الفرق عبر فهم متعاطف وكلي. ويتميز هذا النهج أيضاً بعمق ثقافي وحضاري، إذ تتيح موقع تركيا الجغرافي وإرثها التاريخي ونسيجها الثقافي المتعدد الطبقات الجمع بين دقة المناهج التحليلية الغربية والفهم الكلي الحدسي للتقاليد الشرقية، معتبرة إياهما عنصرين متكاملين لا متنافسين.
ويعيد يلماز تعريف التعاطف كأداة تحليلية لا كضعف. فالثقافة الاستخباراتية التقليدية تُقدّس الموضوعية الباردة والمتباعدة، وتتوقع ألا تتدخل مشاعر المحلل الذاتية في عملية التحليل. أما التقليد العرفاني فيقترح أنه لفهم العالم الداخلي للآخر حقاً، لا بد من الدخول إليه بقدر معين والنظر من زاويته. وهذا لا يعني التخلي عن قيم المحلل، بل القدرة على استيعاب عقلية الفاعل ومخاوفه وآماله من الداخل. وتوفر هذه القدرة ميزة حاسمة في الأزمات المعقدة متعددة الفاعلين ذات الجذور التاريخية العميقة. فالمحلل الذي يقرأ في طاولة المفاوضات ليس قائمة المطالب فحسب، بل بحث الطرف المقابل عن الكرامة والأمن والانتماء خلفها، يستطيع تقديم توقعات أدق. وبالمثل، فإن مقاربة استخباراتية تفهم الحالة الشعورية الجماعية المغذية لحركة اجتماعية، لا شعاراتها ومطالبها فقط، تستطيع استشراف التطورات أبكر وأكثر دقة.
ويخلص الكاتب إلى أن استخبارات العرفان تمثل محاولة لتحويل الممارسة الاستخباراتية من مجرد هندسة أمنية إلى تخصص متعدد الأبعاد يتغذى من العلوم الإنسانية والفلسفة والتقاليد الروحية. فهي تركز على نوعية البيانات لا كميتها، وعلى ما وراء المرصود أي النية والحالة الروحية والدافع العميق. وفي عصر تتطور فيه القدرات التقنية باستمرار، يمنح هذا العمق الإنساني والإدراكي قيمة مضافة مميزة للعمل الاستخباراتي. وفي النهاية، يعبر المفهوم عن عقلية لا تكتفي بجمع المعرفة، بل تسعى إلى فهم الواقع الإنساني الذي يغذيها، كتوليفة أصيلة تجمع الرصيد التاريخي والثقافي الخاص بتركيا مع الممارسة الاستخباراتية المعاصرة. فرؤية الإنسان خلف البيانات ربما تكون أقدم أهداف الاستخبارات وأكثرها ديمومة، ومفهوم استخبارات العرفان يقترح مقاربة هذا الهدف من جديد انطلاقاً من أرضية ثقافية وفلسفية عميقة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











