برجان توتار - صباح (31/05/2026) - ترجمة وتحرير ترك برس

قبل حربَي أوكرانيا وإيران بوقت طويل، أحدثت حرب قره باغ التي استمرت 44 يومًا عام 2020 تحولات جذرية في بنية الأمن العالمي، وقادت إلى تغيير نموذج الحرب والصناعات الدفاعية. وأصبح التأثير الثوري للطائرات المسيّرة التركية المسلحة محسوسًا اليوم في جميع المجالات. فالقواعد الجديدة للحروب باتت تُعرَّف الآن بالطائرات المسيّرة الرخيصة، والتهديدات غير المتكافئة، واستحالة نجاة أي طرف من الدمار.

وبمعنى ما، لم يعد الفوضى والدمار مقتصرين على الجنود في الجبهة، أو مراكز الرادار، أو حظائر الطائرات النفاثة، أو مستودعات الذخيرة، أو مراكز الاتصالات الحيوية، أو مصانع الأسلحة. ففي الحروب اليوم أصبح كل شيء وكل شخص هدفًا محتملًا. ويصف الخبراء العسكريون ذلك بـ«دمقرطة التدمير».

وبناءً عليه، لم يعد أحد بمنأى عن الاستهداف أو بعيد المنال. فبإمكان رؤساء الدول أن يُنتزعوا على عجل من منازلهم. أو كما شوهد في إيران، يمكن أن يتعرض القادة الدينيون لمحاولات اغتيال حتى داخل أكثر قصورهم تحصينًا. ومن الأطفال إلى النساء، ومن العلماء إلى السياح، أصبح الجميع ضمن مدى التكنولوجيا الجديدة.

ذلك لأن الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة والقابلة للإنتاج الكمي تحولت في ساحات القتال إلى عامل حاسم ومقرر، ما أدى إلى تغيير البنية الاقتصادية والعقائدية للحروب الحديثة من جذورها. فأنظمة الأسلحة التقليدية الباهظة الكلفة، والمحدودة الإنتاج، والتي يستغرق تصنيعها وقتًا طويلًا، بات من السهل تحييدها بواسطة طائرات مسيّرة لا تتجاوز كلفة الواحدة منها بضعة آلاف من الدولارات، ويمكن إنتاجها بسرعة، وتتمتع بقدرات تدميرية ووظيفية عالية.

وقد اضطرت قوتان عظميان مثل روسيا والولايات المتحدة، اللتان وجدتا نفسيهما عالقتين في حربَي أوكرانيا وإيران، إلى تعديل عقائدهما القتالية وفق مبدأ «مواجهة التهديدات منخفضة التكلفة بوسائل منخفضة التكلفة».

وفي هذه الثورة التكنولوجية التي تقودها تركيا، أصبحت الطائرات المسيّرة اليوم معيارًا جديدًا للقوة العسكرية. وبفضلها ازداد الإمكان العسكري للدول متوسطة الحجم. إذ كما أظهرت الحروب خلال السنوات الأخيرة، جرى تعطيل دبابات وطائرات ومنظومات دفاع جوي تبلغ كلفتها عشرات الملايين من الدولارات بواسطة طائرات مسيّرة لا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف من الدولارات.

هذا الواقع يجبر حتى أقوى الجيوش على إعادة تصميم بنيتها القتالية وسلاسل التوريد الخاصة بها. وبفضل الطائرات المسيّرة، باتت حتى الدول الضعيفة قادرة على التحول إلى طرف رادع في الحروب.

وقد اختبرنا أولًا في البحر الأحمر، ثم مع أزمة مضيق هرمز، كيف استطاعت الطائرات المسيّرة أن تجعل المسارات التي تمثل شريان نقل الطاقة والتجارة العالمية أقل قدرة على أداء وظائفها الطبيعية.

لذلك، بينما تنخفض عتبة استخدام العنف في الحروب الجديدة، ينتقل أيضًا احتكار القوى العظمى للعنف إلى أطراف أخرى. فالتكنولوجيا الحربية الجديدة، التي يرمز إليها انخفاض الكلفة وسرعة الإنتاج، تقلب عقائد الأمن العالمية رأسًا على عقب.

كما أن المزايا العملياتية غير المتكافئة التي حصلت عليها الجهات الأضعف بفضل الطائرات المسيّرة تسهم في خفض عتبة النزاعات، وتساعد على إيجاد حلول أسرع للمشكلات المزمنة. إن هذا النظام البيئي الجديد للحروب وتحولاته البنيوية يفرضان مناخًا من التوافق والتسويات، ليس فقط في مجال الحلول الدبلوماسية، بل في جميع المجالات الأخرى أيضًا.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس