
ترك برس
يرى الكاتب والمحلل التركي غوربوز إيفرين أن الاضطرابات الأمنية والاجتماعية المتصاعدة في فرنسا قد تمهد الطريق لتحول سياسي كبير في الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل/نيسان 2027، متوقعاً فوز زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني مارين لوبان بالرئاسة، في تطور يصفه بعض السياسيين الفرنسيين بأنه «عودة الفاشية إلى فرنسا».
وفي مقال نشره موقع «إندبندنت تركية»، استعرض إيفرين مشاهداته خلال وجوده في باريس منذ 5 نوفمبر/تشرين الثاني، مشيراً إلى أن البلاد تشهد تصاعداً في أعمال العنف والتخريب والنهب، بدأت باحتجاجات طلاب المدارس الثانوية، قبل أن تتسع رقعتها وتتحول إلى مشهد يومي يشمل إحراق مبانٍ عامة ومركبات، وتكسير الممتلكات العامة، واقتحام المتاجر ونهبها.
وأوضح الكاتب أنه توجه إلى باريس لمعاينة التطورات ميدانياً والتحدث مع أبرز الشخصيات السياسية الفرنسية، ومن بينهم الرئيس إيمانويل ماكرون، ومارين لوبان، والمرشح اليساري جان لوك ميلانشون، لافتاً إلى أن انشغال البلاد بالأحداث الراهنة جعل فرص إجراء مقابلات مع هذه الشخصيات لا تتجاوز، في الوقت الحالي، نحو 50 بالمئة.
وقال إيفرين إنه كان يتوقع، حتى عندما كان في تركيا، أن تؤثر الاضطرابات التي تشهدها فرنسا في الانتخابات المقررة في أبريل/نيسان 2027، لكنه بات أكثر اقتناعاً بصحة تقديراته بعد وصوله إلى باريس، مؤكداً أن البلاد مقبلة على «تغيير كبير جداً»، من شأنه أن يُحدث تداعيات شبيهة بالزلزال داخل الاتحاد الأوروبي.
وتوقع الكاتب أن تفوز مارين لوبان، زعيمة حزب «التجمع الوطني» (RN)، في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية المقبلة بنسبة تصل إلى 60 بالمئة، لتصبح رئيسة لفرنسا.
وفي هذا السياق، أشار إلى أنه أجرى لقاءات مع عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي الذين يتمتعون بثقل سياسي، إلى جانب قيادات من أحزاب يمينية ويسارية، مبيناً أن القاسم المشترك بين معظم من تحدث إليهم يتمثل في اعتقادهم بأن وصول لوبان إلى الرئاسة بات أمراً لا مفر منه، وأن بعضهم يصف هذا الاحتمال بأنه «عودة الفاشية إلى فرنسا».
وأضاف أن أعضاء مجلس الشيوخ الذين التقاهم اعتبروا أن مشاهد العنف والنهب التي رافقت الاحتجاجات أسهمت في رفع شعبية لوبان بسرعة وترسيخها، حتى إن فرنسيين كانوا بعيدين عنها سياسياً باتوا ينظرون إليها باعتبارها منقذة للبلاد. ونقل عنهم قولهم إن المسألة تجاوزت، في الوقت الراهن، مجرد المواقف المعادية للأجانب.
ولفت إيفرين إلى أن هؤلاء السياسيين استحضروا نتائج الانتخابات السابقة، حين كانت لوبان تتصدر الجولة الأولى، قبل أن تتمكن أحزاب اليمين واليسار من التحالف في الجولة الثانية لمنع وصولها إلى الرئاسة. لكنه أشار إلى أنهم يتوقعون هذه المرة أن تدعم الأحزاب اليمينية الصغيرة لوبان في الجولة الثانية، بدلاً من الوقوف ضدها.
وأوضح أن عدداً من قيادات يمين الوسط، رغم إدراكهم أنهم لن يتمكنوا من تجاوز الجولة الأولى، يعتزمون خوض الانتخابات الرئاسية، ثم دعم لوبان في الجولة الثانية بدلاً من مرشح اليسار ميلانشون. وذكر من بين هؤلاء رئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب، زعيم حزب «هورايزون»، الذي يحظى، وفق الأرقام التي أوردها الكاتب، بنسبة تأييد تبلغ 9.5 بالمئة، ودافيد ليسنار من حزب «نوفيل إينيرجي» بنسبة 7 بالمئة، ورئيس الوزراء الأسبق غابرييل أتال بنسبة 5 بالمئة، وبرونو روتايو من حزب «الجمهوريون» بنسبة 4 بالمئة.
ونقل الكاتب عن عضوة في مجلس الشيوخ تفسيرها لهذا التوجه بالقول إن قواعد هذه الأحزاب تعارض بشدة التحالف مع اليسار، فضلاً عن أن حزب لوبان لا يضم، بحسب تقديرها، سياسيين يمتلكون الكفاءة اللازمة لتولي الوزارات المهمة. ولذلك، فإن قادة يمين الوسط يدركون أن دعمهم لوبان سيتيح لكل منهم الحصول على حقيبة وزارية مقابل ذلك.
وفي معرض حديثه عن توزيع المناصب في حال فوز لوبان، أشار إيفرين إلى وجود رئيسي وزراء سابقين بين الأسماء المطروحة، قبل أن ينقل عن أعضاء مجلس الشيوخ توقعهم أن تعيّن لوبان جوردان بارديلا، الرجل الثاني في حزبها، رئيساً للوزراء.
وأوضح أن هذا التعيين المحتمل يستند إلى تصور مفاده أن لوبان ستتعامل مع حصولها على 60 بالمئة من الأصوات باعتباره تفويضاً شعبياً يمنحها الحق في اختيار رئيس الوزراء الذي تريده، حتى لو كان شخصية شديدة التطرف. ودعا الكاتب إلى تذكر اسم بارديلا، مشيراً إلى أنه سيتناول في مقالات لاحقة معلومات مهمة تتعلق بعلاقاته مع إسرائيل.
وتطرق إيفرين إلى طبيعة الحكم الذي قد تتبعه لوبان في حال وصولها إلى الرئاسة، ولا سيما في التعامل مع اضطرابات مماثلة لتلك التي تشهدها البلاد حالياً، قائلاً إن إجابات السياسيين الذين تحدث إليهم كانت متقاربة إلى حد كبير.
وبحسب ما نقله عنهم، فإن المادة 15 من الدستور الفرنسي تنص على أن رئيس الجمهورية هو أيضاً القائد الأعلى للقوات المسلحة، فيما تتيح المادة 36، إلى جانب مواد أخرى، للرئيس اتخاذ إجراءات استثنائية، من بينها إعلان الأحكام العرفية والاستعانة بالجيش، إذا اندلعت اضطرابات في الضواحي التي تقطنها مجموعات يسارية ومهاجرون، أو خلال التجمعات التي يشاركون فيها، وشملت أعمال حرق وتخريب ونهب وتمرد.
وأضاف أن هؤلاء السياسيين يعتقدون أن لوبان ستبرر مثل هذه الخطوات بأنها تهدف إلى حماية قيم الجمهورية والديمقراطية، مشيرين إلى أنها سبق أن أعطت إشارات إلى هذا التوجه في عدد من تصريحاتها.
ومن بين أكثر المواقف التي وصفها الكاتب بأنها لافتة، ما يتعلق بالخيارات الانتخابية لليهود في فرنسا، إذ قال إن البلاد تضم أكثر من مليون يهودي، وإن هؤلاء الناخبين باتوا يعلنون صراحة دعمهم لمارين لوبان.
وأشار إيفرين إلى أن هذا التحول يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى مواقف والد مارين لوبان، جان ماري لوبان، الذي وصف المحرقة النازية بحق اليهود بأنها «تفصيل صغير في التاريخ»، وهو ما جعل اليهود ينفرون من عائلة لوبان.
وأوضح الكاتب أنه سيتناول في مقال آخر الكيفية التي تمكنت بها مارين لوبان وذراعها اليمنى جوردان بارديلا من تغيير هذه النظرة، لكنه لفت في الوقت الراهن إلى أن اليهود الذين تعرضت متاجرهم وأماكن عملهم لهجمات خلال الأحداث الأخيرة، والذين باتوا يخشون الخروج مرتدين القلنسوة اليهودية، غيّروا خياراتهم الانتخابية بصورة جذرية.
ونقل عن سياسيين التقاهم قولهم إن اليهود الذين يعتقدون أن السياسات المتشددة التي تتبناها لوبان تجاه المهاجرين المسلمين ستوفر لهم الحماية، باتوا يعلنون في أماكن مختلفة وبصوت مرتفع أنهم سيصوتون لها.
وأضاف أن بعض الشخصيات التي تواصل معها من الجالية اليهودية أكدت له بوضوح أنها تعتزم التصويت لمارين لوبان، في تأكيد لما سمعه من السياسيين الفرنسيين.
واختتم إيفرين مقاله بالإشارة إلى أنه سيكون، أثناء قراءة الجمهور للمقال، في الميدان لمتابعة موجة جديدة من الاحتجاجات التي ينظمها طلاب المدارس الثانوية، مؤكداً أنه سيعرض لاحقاً انطباعاته عن هذه التطورات.
كما أعلن عزمه نقل معلومات من العاصمة الفرنسية باريس على مدى أسبوع، بشأن الأحداث والتحولات المهمة التي تشهدها البلاد، قائلاً إنها معلومات سيطلع عليها القراء للمرة الأولى عبر مقاله، ولن يجدوا لها مثيلاً في أي مكان آخر.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











