
ترك برس
أظهرت الحرب الإيرانية تحديات متزايدة أمام توظيف الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، لا سيما ما يتعلق بموثوقية البيانات الميدانية التي تعتمد عليها الأنظمة الذكية في تحليل التهديدات واتخاذ القرارات. فمع تصاعد استخدام تقنيات التشويش الإلكتروني والطائرات المسيّرة والأنظمة ذاتية التشغيل، لم تعد المشكلة مقتصرة على جمع المعلومات أو تبادلها، بل امتدت إلى مدى دقتها وسلامة مصادرها، وتأثير البيانات المضللة في أداء الخوارزميات العسكرية مستقبلا.
وفي مقال تحليلي نشره موقع «إندبندنت تركية»، تناول المحلل الاستراتيجي الدكتور عثمان غازي قندمير تداعيات الحرب الإيرانية على مستقبل الذكاء الاصطناعي العسكري، مستندا إلى طرح نشره جون جيمس في مجلة «ذا ستراتيجيست»، التابعة لمعهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي، بشأن موثوقية البيانات التي تنتجها ساحات القتال في منطقة الخليج.
وقال قندمير إن الحرب في أوكرانيا حولت بيانات ميدان المعركة إلى مورد تتبادله الدول الحليفة، مشيرا إلى أن بريطانيا أصبحت في أغسطس/آب أول دولة أجنبية تتمكن من الوصول إلى منصة «أفينجرز» الأوكرانية للذكاء الاصطناعي، التي تجمع بيانات آلاف الكاميرات وأجهزة الاستشعار بالأشعة تحت الحمراء. ولفت إلى أن الحكومة البريطانية وصفت المنصة بأنها «منجم ذهب»، في إشارة إلى القيمة المتزايدة للبيانات العسكرية بوصفها سلعة لها حجم وسعر، غير أن السؤال الأساسي، بحسب الكاتب، يتمثل في الجهة التي تتولى قياس جودة هذه البيانات والتحقق من موثوقيتها.
وأوضح قندمير أن جيمس يرى أن البيانات المنتجة في منطقة الخليج أصبحت غير موثوقة منذ لحظة توليدها، لافتا إلى أن النفط الخام يخضع لشهادة تحليل تحدد جودته، في حين لا توجد معايير مماثلة للتحقق من جودة بيانات ساحات القتال.
وفي هذا السياق، استعاد الكاتب تصنيفا سبق أن قدمه في مقال نشرته مجلة «استراتيجيات الأمن»، قسم فيه العمليات في البيئة المعلوماتية إلى نوعين: «الحرب الموجهة ضد المعلومات» و«الحرب الإدراكية». وبيّن أن النوع الأول يستهدف أنظمة المعلومات وسلاسل البيانات والبنية التحتية للقيادة والسيطرة، بينما تستهدف الحرب الإدراكية العقل البشري والطريقة التي يفسر بها المعلومات.
واستخدم قندمير استعارة «الظرف والرسالة» لتوضيح الفرق بين النوعين؛ إذ تستهدف الحرب الموجهة ضد المعلومات الظرف ومسار البريد الذي يحمل الرسالة، بينما تستهدف الحرب الإدراكية الطريقة التي تُقرأ بها الرسالة وتُفهم. لكنه أشار إلى أن الحرب الإيرانية أضافت طبقة جديدة إلى هذه المعادلة، تتمثل في أن الرسالة قد تبدو سليمة، في حين يكون الظرف الذي يحملها قد تعرض للتلف، فضلا عن أن الجهة التي تقرأ هذه الرسائل لم تعد الإنسان وحده، بل أصبحت الآلات أيضا.
التشويش الإلكتروني يضرب موثوقية البيانات
وحدد الكاتب ثلاثة مستويات رئيسية لتضرر البيانات العسكرية في منطقة الخليج، أولها المستوى الكهرومغناطيسي، موضحا أن الأيام الأربعة الأولى من الحرب شهدت تسجيل 1735 حالة تشويش على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية في أنحاء المنطقة، قبل أن تشهد خلال أسبوع واحد أعلى كثافة تشويش موثقة في منطقة عمليات بحرية حتى ذلك الوقت.
وأضاف أن سفنا تجارية ظهرت على شاشات الملاحة في مواقع غير حقيقية، بينها مطارات ومحطة للطاقة النووية ومناطق داخل اليابسة، مشيرا إلى أن شركة التأمين البحري «سكولد» أفادت بأن التشويش أصبح ظرفا تشغيليا دائما. كما فقدت طائرات أقلعت من مطارات الخليج أو هبطت فيها إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) بالكامل، ما دفع مراقبة الحركة الجوية إلى العودة للاعتماد على التوجيه الراداري.
وأشار قندمير إلى أن وسائل الحرب الإلكترونية، مثل التشويش على الإشارات والتلاعب بها، تؤدي دورا مباشرا في هذا الخلل، لكنه لفت إلى أن الجانب الأكثر أهمية يتمثل في أن قسما كبيرا من التشويش يصدر عن الطرف المدافع نفسه.
وأوضح أن الجيش الإسرائيلي أقر بأنه يعمد، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى إرباك إشارات الملاحة بهدف تضليل الذخائر القادمة، ما يعني أن الإجراءات الدفاعية الرامية إلى حماية مصادر المعلومات الصديقة قد تؤدي في الوقت نفسه إلى تلويث البيانات التي تنتجها تلك المصادر. واعتبر أن ذلك يخلق تناقضا جديدا بين الدور الدفاعي للحرب الموجهة ضد المعلومات وبين قدرة الأطراف على إنتاج بيانات موثوقة عن عملياتها.
ولفت الكاتب إلى أن هذا الخلل لا يصيب الصور نفسها بالضرورة، بل يطال بيانات الموقع والتوقيت المرتبطة بها. ونظرا إلى أن أنظمة الرادار والتصوير الكهروبصري والأشعة تحت الحمراء والترددات اللاسلكية تُدمج بالاستناد إلى مرجع زمني مشترك، فإن أي انحراف في التوقيت ينتقل إلى السجل الموحد للبيانات، بحيث تبقى الصورة سليمة ظاهريا، بينما تفقد البيانات الوصفية المرتبطة بها موثوقيتها.
استهداف مراكز البيانات وفجوات الأنظمة الذاتية
أما المستوى الثاني، فيتعلق بالاستهداف المادي للبنية التحتية للبيانات، إذ أشار قندمير إلى أن طائرات إيرانية مسيّرة استهدفت ثلاثة مراكز بيانات على الأقل في الإمارات والبحرين، ما يعني أن البيانات باتت عرضة للهجوم في المواقع التي تُخزّن فيها.
وأضاف أن نقل السجلات إلى مواقع احتياطية وإعادة تحميلها تحت نيران الهجمات يجعل التحقق من مصدرها الأصلي أكثر صعوبة، موضحا أن ذلك يعكس تداخل الأبعاد المادية والافتراضية والإدراكية للعمليات العسكرية؛ إذ يمكن لضربة مادية أن تقوض موثوقية سجل رقمي.
وفي المستوى الثالث، الذي وصفه بأنه الأقل تناولا في النقاشات، تبرز الأنظمة ذاتية التشغيل، حيث أشار إلى أن الجيش الأمريكي أرسل إلى المنطقة نحو 10 آلاف طائرة مسيّرة اعتراضية من طراز «ميروبس»، قادرة على الاشتباك مع أهدافها بصورة ذاتية.
وأوضح أن عمليات الدفاع الجوي التقليدية تترك أثرا من البيانات في أنظمة التحكم بالنيران الموجودة على الأرض، بينما قد لا ترسل الطائرات الاعتراضية ذاتية التشغيل، التي تعمل دون اتصال مباشر، أي معلومات عن عمليات الاشتباك. كما أن الطائرة الاعتراضية التي تصيب هدفها لا تعود عادة إلى قاعدتها، ما يعني أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذاتية لحمايتها من الحرب الإلكترونية يؤدي إلى تسجيل عدد أقل من تفاصيل الاشتباكات.
وحذر قندمير من أن هذه الفجوة تكتسب أهمية خاصة لأن البيانات الميدانية الحالية ستُستخدم في تدريب نماذج مستقبلية لمواجهة الطائرات المسيّرة. ونقل عن جيمس مثالا يوضح خطورة ذلك، مفاده أن نموذجا يُدرّب باستخدام صور من الخليج تحمل بيانات غير دقيقة عن المسافات بسبب التلاعب بإشارات الملاحة، قد يقدّر أن طائرة إيرانية من طراز «شاهد» أبعد من موقعها الحقيقي، ما يؤدي إلى تأخير إطلاق الطائرة الاعتراضية والسماح للهدف بالوصول إلى غايته.
وأشار إلى أن البيانات الأوكرانية تواجه المشكلة نفسها، إذ تستخدم روسيا، إلى جانب طائرات «شاهد»، أهدافا خداعية تشبهها في خصائصها بالنسبة إلى أجهزة الاستشعار، فيما ينتشر التشويش الأوكراني أيضا. لكن البيانات التي حصلت عليها بريطانيا لا تتضمن بالضرورة معلومات عن ظروف التشويش أو نسبة الأهداف الخداعية المستخدمة.
الحرب الإلكترونية اليوم قد تضلل خوارزميات الغد
ورأى الكاتب أن هذه التطورات تؤدي إلى تآكل الحدود الفاصلة بين الحرب الموجهة ضد المعلومات والحرب الإدراكية، موضحا أن الحرب الإدراكية لا تستهدف بالضرورة تغيير حقيقة الرسالة، وإنما تغيير الطريقة التي يُنظر بها إليها وتُفسر.
وأضاف أن النموذج الذي يُدرّب باستخدام بيانات محمولة داخل «ظرف معطوب» قد يكتسب بدوره خللا في الإدراك، غير أن الاختلاف هذه المرة يتمثل في أن الهدف ليس العقل البشري، بل آلة أُوكلت إليها صلاحيات اتخاذ القرار.
وبحسب قندمير، فإن الحرب الإلكترونية الجارية اليوم تنتج تأثيرا مؤجلا يظهر في الأحكام الخوارزمية مستقبلا، بحيث يمكن للخصم ألا يضلل الجيش في اللحظة الراهنة، لكن البيانات التي سُجلت خلال عمليات التضليل السابقة قد تدفع الجيش إلى تضليل نفسه في المستقبل.
واستحضر الكاتب عملية «مينسميت» البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية، التي استخدمت فيها لندن رسالة مزيفة لإقناع الألمان بمعلومات خاطئة، موضحا أن الظرف كان سليما بينما كانت الرسالة كاذبة. أما اليوم، فقد انعكست المعادلة؛ إذ تبدو الرسالة صحيحة، لكن الظرف الذي يحملها معطوب، ولا أحد يتفحصه.
دعوة إلى معيار دولي للتحقق من البيانات العسكرية
وفي مواجهة هذه الإشكالية، أشار قندمير إلى أن جيمس يقترح وضع معيار دولي لمصادر البيانات المتنازع على موثوقيتها، على غرار شهادات تحليل الجودة المستخدمة في تجارة النفط.
وبحسب المقترح، ينبغي أن تتضمن كل مجموعة بيانات معلومات عن تقييم الأهداف الخداعية ضمن مجال الرؤية، وما إذا كان الاشتباك استهدف هدفا منفردا أم جرى ضمن دفعة من الأهداف، والإشارات الصادرة عن الأنظمة الصديقة النشطة، والتشويش الذي يمارسه الخصم، ومدى سلامة أنظمة الملاحة وقت تسجيل البيانات.
وأكد الكاتب أن هذه المسألة ليست نظرية بالنسبة إلى تركيا، التي تسعى إلى تعزيز موقعها في مجالي الطائرات المسيّرة وأنظمة الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي، معتبرا أن جودة بيانات المعارك التي تتبادلها أنقرة مع حلفائها أو تحصل عليها منهم تمثل مسألة مرتبطة مباشرة بالأمن القومي.
ودعا إلى إدراج التحقق من مصادر البيانات ضمن الركائز الأساسية للجانب الدفاعي من مفهوم «العمليات في البيئة المعلوماتية» في عقيدة القوات المسلحة التركية، مشددا على أن أنقرة أمام فرصة ينبغي عدم تفويتها للاضطلاع بدور ريادي في إنشاء معيار من هذا النوع داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
واختتم قندمير مقاله بالتأكيد أن الهدف الأساسي للحرب، المتمثل في فرض الإرادة على الخصم وفق مفهوم المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز، لم يتغير، لكن ما تغير هو أن تشكيل الإرادة بات يحدث أيضا عبر البيانات التي تتعلم منها الخوارزميات.
وخلص إلى أن الجيش الذي لا يتحقق من سلامة «الظرف» قد يصل إلى استنتاجات خاطئة، مهما بلغت قدرته على قراءة «الرسالة» وتحليل محتواها.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











